معلوم لكل من له دراية بالعلم وقواعده أن أي قطعة قماش-مهما كانت- ليس لها حكم مستقل في الشريعة الإسلامية، وإنما الحكم لرمزيتها ودلالتها عرفًا [1] ، إذ قد تقرر أن ما لم يأت الشارع بحدِّهِ وضبطه، فإن العرف يحده ويضبطه، وقد بيَّنا أن الشريعة لم تأت بقطعة قماش بعينها تكون هي العلم والراية للمسلمين، وإنما الأمر في ذلك يخضع لاختيار الناس واجتهادهم.
ومثل هذه الرايات والأعلام القماشية ليس لها حكم ثابت، وإنما يتبع حكمها لاستعمال الناس لها، فلو تغير استعمال الناس لها وتغيرت دلالتها لديهم، تغير تبعًا لذلك حكمها الشرعي، فقد يكون العلم له دلالة ورمزية حسنة ثم تتغير لما هو سيء، وكذلك العكس، وفي كل ذلك يتغير الحكم الشرعي تبعًا لتغير الرمزية والدلالة، إذ الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وهذا لا يختص بعلم دون علم.
وهذه المسألة لها نظائر عند أهل العلم، ومنها ما ذكره الإمام ابن حجر ~ في تعليل نهي النبي (عن المياثِر الحُمر، فقال:(وإن قلنا: النهي عنها من أجل التشبه بالأعاجم، فهو لمصلحة دينية، لكن كان ذلك شعارهم حينئذ وهم كفار، ثم لما لم يَصِر الآن يختص بشعارهم زال ذلك المعنى، فتزول الكراهة. والله أعلم) [2] .
وقد كان لهذا العلم رمزية ودلالة فاسدة شرعًا عند إنشائه، ثم تغيرت هذه الرمزية بتغير استعمال الناس له.
وعلى هذا فليس لهذا العلم حاليًا دلالة ورمزية يمكن القول بأنها مناقضة للإسلام، وأنها دلالة ورمزية كفرية، إذ أن هذا العلم عبارة عن راية تم استعمالها في حقبة من الزمن وانتهت، ثم استحضره الناس عند حدث معين يريدون به دلالة ورمزية محددة، وهي التمايز عن النظام النصيري الطاغوتي والبراءة منه والثورة عليه وخلعه، وهذه دلالات مشروعة تتوافق مع دلالات الجهاد في عمومها، وبذلك يمكن اعتبار علة استدعاء الناس لهذا العلم
(1) بل حتى الصليب ليس له حكم مستقل بذاته لمجرد كونه صليبًا!، ولولا أنه يرمز لعقيدة كفرية لما كان كفرًا!، إذ شكل الصليب لم تحكم الشريعة بكفره لأجل شكله، وإنما لكون النصارى قد اتخذوه رمزًا لعقيدتهم الكفرية، فلما اختص بهذه العقيدة الكفرية وأصبح رمزًا حصريًا لها استحق حكم التكفير لهذه الدلالة الكفرية، باعتبار أن الأصل فيه أنه لا يرفعه ولا يحمله على سبيل المحبة والرضى والانتماء إلا مؤمن به كافر بالله - عز وجل -، مع التنبيه أن أهل العلم لا يكفرون من يرفعه أو يلبسه من المسلمين إن كان لمقصد غير الرضى والاعتقاد، ويفصلون الأحكام في ذلك.
(2) فتح الباري، 13/ 340. والمياثر الحمر كانت من مراكب العجم من ديباج وحرير.