يعلم الناس ما في النداء (أي: الأذان) والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لستهموا (أي: اِقترعوا فيما بينهم) "، يعني: لو كُشف لنا الغيب وعرفنا ما الذي يُحصله هذا الإنسان الذي يؤذن أو الذي يستبق إلى الصف الأول، لرأينا الناس يفعلون القرعة فيما بينهم حتى من يحصله، أقول أيها الأحباب الكرام: ينبغي علينا أن تتجسد فينا صفة المسارعة والمسابقة إلى الخيرات والطاعات."
(انتبهوا إلى هذه القاعدة) وهذه النفس البشرية على حسب ما يعودها الإنسان، إذا عودت نفسك على الكسل وعلى التأخر والتواني تعودت، وإذا عودت نفسك على الجد والحرص والعزم والحزم أصبحت هذه النفس تحب الجد ولا تحب الكسل، تحب الحركة ولا تحب السكون، وكما قال الشاعر:
و النفس ما عودتها تتعود
فلا تقول هذا شيء صعب وهذا شيء شبه مستحيل، لا [الأمر] يحتاج إلى ترويض وإلى تعويد فقط.
أنا أعرف رجل من كبار السن ومن الصالحين -سبحان الله- يتوضأُ قبل الأذان (الآن بعض الناس ما يتوضأ للصلاة إلا بعد الأذان) ، ويخرج من بيته، ويدخل المسجد قبل الأذان بدقائق، فيلتفت يمينًا ويسارًا فإذا ما وجد المؤذن، مباشرة ذهب وأذن، فحصل له الآن فضيلة الأذان، والأمر الثاني المسابقة والمسارعة إلى الطاعة، والأمر الثالث أنه يستغل الوقت الذي بين الأذان وبين الإقامة في الدعاء، وفي الذكر، وفي قراءة القرآن، وفي الصلاة.
وقد حثنا رسولنا -صلى الله عليه وسلم- فقال:"إِنَّ الدُّعَاءَ لَا يُرَدُّ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ"، وهذا الوقت نفيس ووقت ذهبي، فتجد كثيرًا من الناس ضيعه ولا يعطي له اهتمامًا، مع أنه مستجاب الدعاء. تصوروا بين الأذان والإقامة تقريبًا مقدار ثلث ساعة في الصلوات الأربع (الفجر والظهر والعصر والعشاء) ، في اليوم تتحصل تقريبًا على ساعة ونصف، فأنت تستغلها في طاعة الله، وتخلو بها مع الله، وتذكر الله، وتقرأ القرآن، وتصلي، فهذا إنجازٌ عظيم، ولهذا ينبغي علينا أيها الإخوة أن نُحفز هذه النفوس.