هذا الخبر القرآني المتقدم عنوانًا هنا فيه بيان خفاء المعاني الدقيقة على الخلق، حتى لو كانوا أنبياء، وهذا المعنى سيتكرر في مواطن عدة، وستأتي، منها: خفاء الشرط على نوح عليه السلام لما قال: (إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) ، وخفاؤه على عمر رضي الله تعالى عنه لما جادل في صلح الحديبية لما قال:"ألم يعدنا أن ندخل المسجد الحرام؟!"
وهذا هو ما كان يخافه الحبيب المصطفى في غزوة بدر، مع وعد الله تعالى له بالفتح: (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ) ، فمع الوعد، فقد قام يدعو مناشدًا ربه مناشدة شديدة، لم يفهم وجهها أبو بكر رضي الله عنها، ولذلك قال:"كفاك مناشدتك ربك، فسينجز الله لك ما وعدك".
فأنت تعلم أن يقين النبي صلى الله عليه وسلم على وعد الفتح أعظم بكثير من يقين أبي بكر، ولكن أبا بكر نظر في الوعد، فغلب عليه هذا المعنى، ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خوف ذهاب الوعد بتخلف شرط، هذا الشرط هو على معنى ما قاله الله تعالى لإبراهيم: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) .
ولذلك رأى أن المقام يحتاج دعاء ثبوت الوعد، ورجاء عدم تخلفه، بالخوف والإنابة والمناشدة، فهذا حق العبد عند الوعد، يزداد تذللًا ليقع، ويخاف رفعه بسبب تخلف الشرط، وهو مقام النبوة، والذي هو أعظم من مقامات أخرى تحصل للخلق، وتغلب على قلوبهم.
تفهم هذا من كلامه صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنجز لي ما وعدتني) [صحيح مسلم] ، (اللهم انشدك عهدك ووعدك) [صحيح البخاري] ، ثم انظر إلى سياق الخبر في موطنه، ترى هناك وعدًا بإحدى الطائفتين، ثم هناك مناشدة جليلة كريمة مبكية، فيها التذلل والإخبات، وموقف العبد في أشرف منازله، ثم يخرج بعدها قائلًا -بأبي هو وأمي-: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) .
وذلك لتعلم أن نزول الوعد يحتاج لعبادة خاصة لتحققه، حتى وهو وعد سابق.