الصفحة 13 من 29

وفي سورة آل عمران في قوله تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) .

هذا الدعاء الذي ذكره الله تعالى على سبيل المدح لمقام إبراهيم وإسماعيل، وهو يعني قبوله، وأنه سيقع لا محالة، هذا الدعاء الشرعي، كم احتاج من زمان قدري حتى يقع قدره؟

لقد جرت النبوة في فرع إسحاق عليه السلام، فكانت في يعقوب ابنه، وجرت سائرة في بني اسرائيل، كلما مات نبي بعث الله نبيًا آخر يسوس الناس ويقيم فيهم الشرع، وغابت النبوة العظيمة الموعودة بإجابة هذا الدعاء زمنًا طويلًا، من إسماعيل عليه السلام حتى كانت في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

القدر له سره المخبوء، يمشي بحسب الحكمة، فيخفى شأنه على الناس، ويغيب عن أنظارهم، حتى يقع في وهمهم أن أمر ما يطلبون وينتظرون قد ذهب ولن يكون، ولكن خلق القدر وتدبيره المغيب عن العيون البشرية التي تعيش عالم الشهادة يكون جاريًا في الفعل ليكون في وقته المقدر له.

هناك عالم مشهود، يلاحظه الناس، وهناك عالم الغيب، يخفى عنهم، هو سر الغيب، وسر القدر، وسر الابتلاء لهم، لا يجري على معنى التدبير المتراكم في عالم الشهادة ليبصروه متدرجًا، فلا فجأة، بل هو يجري على معنى التدبير الغيبي، ويظهر للناس على معنى الفجأة غير المرتقبة، بل من تأمل جريان هذا النوع من القدر علم أن عالم الشهادة يجري في ظاهره لمستقر يخالف ما يدبر من عالم الشهادة المنظور، ولذلك تقع الصدمة، وتتحقق الفجأة.

وهذا بيّن هنا، فالنبوة تجري في فرع من الأبناء، ويكون فيهم الكتاب، ويتعرفون على النبوة عن قرب، ويتحضرون لها لأنهم أهل اختصاص بها، وهم أهل شريعة غيبية، ويقابل هذا فرع خلا كليًا من النبوة بعد إسماعيل عليه السلام، هم أميون، لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت