الصفحة 14 من 29

كتاب لهم، ولا نبوة فيهم، وليس لها من خبر عندهم إلا ظلالًا ضعيفة، وهذه الظلال مزورة مبدلة مطموسة، ومع ذلك يخرج منها النبوة العظيمة، ويتحقق الدعاء بعد سنين، يجزم المخلوق الضعيف أنها صعبة الحصول.

سر القدر هنا هو امتحان الناس بتصديق الخبر، تطحنه السنون، وتغالبه الأقدار التي تضاد الوعد، وتسير على وفق يخالف ما وُعد به، كل ذلك ليبقى الغيب كاسمه غيبًا، به يمتحن الخلق.

الأمور مع قدر الابتلاء الإيماني ليس حملًا لجنين يبصره الناس متعاظمًا حتى يكون يوم الميلاد، فلا يفاجئهم، بل هو على الضد من ذلك في هذا الباب، إذ تسير مقدماته على وجه يخالف ما ينتظره الخلق، ثم تكون الخاتمة التي قدرها الله نصرًا للمؤمنين وهزيمة لأعدائه.

(حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ) هذه مقدمات النصر، وهذا يعني أن أفق التغيير مسدود مغلق.

"الفجأة"، ليست في الزمن، ولكن في النتائج على خلاف المقدمات، فجأة يسبقها يأس وقنوط، أن الأمر قد استقر على حال من الجريان، ولن يقع التغيير.

ثم"فجأة"من جهة العطاء، فهذا إسماعيل عليه السلام يقع من ذريته بعث النبي الخاتم العظيم، والذي يتحقق به شروق شمس الحق من فاران، كما وعدت الكتب السابقة.

الفعل الخفي في هذا الباب وهو عالم الغيب لا يعجزه أن يحول السجين فجأة إلى عزيز المملكة، ولا الأمي إلى أعظم معلم، ولا الضعيف إلى أعظم القوة، فهو الله القادر على كل شيء، وهو مع هذا يجريها على معنى اللطف ولكن فيها الغلبة.

مع طول الزمن يحصل في الخلق أمران: خداع للظالم، فيستمرئ المعصية (ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) فيفسد، ويجرم، ويزداد غلوًا في معصيته، وبهذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت