ومن هنا يقع الشك النفاقي، ويقع اليأس القلبي، ويتكلم الناس بكلام الاستهزاء: (إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ) ، وذلك كله لأن ما يظن تحققه تبتعد ملامحه وسماته ومقدماته، ولا تتكاثر في عين الناس.
هذا كله هو ما ينشئ كلام الجاهلين عن هذا الباب، حتى ليخيل إليهم لفساد نفوسهم وعقولهم أن هذا من الكهانة والتخيل والسحر، والأمر ليس كذلك، لكنه مراقبة سنة الله في هذا الباب العظيم، والذي عماده التوكل على الله، وحسن الظن به، وتصديق وعده وكلامه.
لعل محاولاتي تجميع هذه المادة نقطة نقطة من القرآن الكريم لتصل في مجموعها لفهم ملامح هذا السر الذي سيبقى فوق طاقات البشر ورؤاهم، حتى المؤمنين يتعاملون بمطلق الوعد مع يقينهم بجهلهم في أفراده وملامحه الدقيقة، لكني وجدت استعجالًا في شرح هذه القضية على الوجه الذي بدأت بسلوك طريقه.
من أجل هذا سأكتب بعض ما يكشف مسرعًا عن هذا الأمر، ثم أعود إلى ما بدأت به، عسى أن يكرمني الله بالتوفيق والهدى، وشرح ما يحبه الله من كتابه.
-في قصة لوط عليه السلام، يبين القرآن الكريم حادثة دخول الملائكة عليه، فلم يرَ لوط عليه السلام إلا بلاءً قادمًا، ويومًا عصيبًا قاهرًا لنفسه، فيقول القرآن في هذا في سورة هود: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَاذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ) .
هذا يعني أن الله أخفى نصره للوط عليه السلام تحت ستار البلاء والهم والضيق، مع أن لوط من أعلم أهل الأرض بربه يومها بعد إبراهيم عليه السلام، ومع ذلك خفي عليه سر النصر، ولم يكشفه الله تعالى له، والمؤمن يعلم سبب هذا من وجوه: أهمها كبرياء الله تعالى الذي يحب التفرد بعلم لا يعطيه لأحد، ليبقى العبد عبدًا مهما علم، ويبقى الرب ربًا بقدوسيته وأوليته وآخريته.