ولوط عليه السلام موعود بالنصر والغلبة، وهو موقن بهذا، وهذا من الإيمان الممتحن المبتلى في صدر العبد الصالح، ومن البلاء في هذا الإيمان أن يأتي على وجه لم يرتقبه العبد، ولا يعرف وجهه، بل ويأتي على غير موعد مضروب.
وهذا الذي وقع مع لوط عليه السلام فيه وجه آخر، وهو أن النصر للوط عليه السلام فيه العذاب لأعدائه، ولا يقع العذاب حتى يقع الإعذار الذي يتم به قيام الحجة في أعلى مقاماتها، وهذا تجده في سورة الحجر.
تأمل قوله تعالى: (وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ * قَالَ إِنَّ هَاؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ * قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ * قَالَ هَاؤُلَاءِ بَنَاتِي إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ * لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ) .
ينبئك هذا الخبر أن الأنبياء أعذروا إلى قومهم إلى الغاية، حتى وقع من لوط قوله: (هَاؤُلَاءِ بَنَاتِي إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ) .
ولم يذكر الله تعالى جوابهم هنا، وإنما ذكره في سورة هود: (قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ) .
المهم هاهنا أن البلاء مقترن بأمرين:
أولاهما: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) ، وثانيهما: انتهاء العذر إلى غايته.
وهذا يعطي وجه النصر الإلهي معنى الإيمان بالنسبة لأهل البلاء، وأنه من عند الله تعالى دون غيره.
وخفاء العطاء بستر البلاء شرح مع القرآن في قصة مريم عليها السلام:
فالملائكة رسل الله يقولون لها: (إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ) آل عمران