أما الذين يرثون الكتاب وراثة، أي لا يعتبرونه خاصا بهم، ولا ملزما لهم، إنما هو شيء موروث عن الآباء والأجداد فأولئك هم الخلف السيئ الذين أشير إليهم في كتاب الله في معرض الحديث عن نبي إسرائيل لتحذير المسلمين من عاقبتهم:
(فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) [1] .
وهم هم الذين يقول الله فيهم:
(فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) [2] .
هذه كلها سنن ربانية تجري بها الأمور في الحياة البشرية، لا تحابي أحدا، ولا تتبدل على هوى أحد من البشر.
ولقد أنعم الله على الأمة الإسلامية بالتمكين والاستخلاف والتأمين، وفتح عليها بركات من السماء والأرض كما وعد المتقين (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) [3] .
ثم تغير الحال من الاستخلاف والتمكين والتأمين إلى الذل والضعف والهوان، والتشريد والتنكيل والتقتيل حين صاروا إلى الصورة التي أنذرهم بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحذرهم منها:
(1) سورة الأعراف [169] .
(2) سورة مريم [59] .
(3) سورة الأعراف [96] .