الصفحة 17 من 306

وربما كانت هذه الآية في سورة النساء حاسمة الدلالة فيما ذهبنا إليه:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا) [1] .

فالذين يُدْعَون إلى الإيمان هم المؤمنون بالفعل:"يا أيها الذين آمنوا"! والذين يُدْعَوْن إلى الإيمان به هو الذي آمنوا به بالفعل! فهم يدعون إلى الإيمان بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل، والله يقول عنهم في آخر سورة البقرة: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ .. ) !

فقضية لا إله إلا الله إذن قضية دائمة في حياة البشرية .. لا يدعى إليها الكفار وحدهم لكي يؤمنوا، ولا المشركون وحدهم ليصححوا اعتقادهم، ولكن يدعى إليها المؤمنون بها كذلك ويذكّرون بها، لكي تظل حية في قلوبهم، راسخة في ضمائرهم، عاملة في واقع حياتهم، لا يفترون عنها، ولا يغفلون عن مقتضياتها:"يا أيها الذين آمنوا، آمنوا .."

ولا عجب أن تكون قضية لا إله إلا الله هي القضية!

وليس السبب في اهتمام القرآن بها أنه كتاب دين! إنما السبب في ذلك أنه الكتاب الذي يحدد منهج الحياة للإنسان [2] !

فحياة الإنسان لا تستقيم حتى يعلم"الحق"الذي خلقت به السماوات والأرض، وحتى تتوافق حياته مع ذلك الحق، فلا تنحرف عنه، ولا تشذ عن مقتضياته.

(1) سورة النساء [136] .

(2) أشرت إلى هذا المعنى في كتاب"دراسات قرآنية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت