ومزية هذه العقلية العلمية الغيبية في آن واحد، أنها لا تفاجأ حين تجد نتيجة لا تفسرها الأسباب الظاهرة، لأنها تعلم أنها تمت بقدر من الله. ولا يصيبها ما أصاب هتلر، حين اتخذ كل الأسباب التي كان في طوق بشر أن يتخذها، فلما خاب مسعاه انتحر، ولم يطق النتيجة التي قدرها الله من وراء كل الأسباب!
هذه العقيدة الرائعة التي أنشأت في حياة الأجيال الأولى من هذه الأمة ما أنشأت من منجزات تشبه المعجزات .. ماذا أصابها خلال القرون، فانحدرت إلى مثل ما انحدرت إليه البوذية والهندوكية والرهبانية؟
كيف صارت إلى تقاعس وقعود وتنصل من المسئولية وانصراف عن التغيير، أدى كله في النهاية إلى هذا الضعف الفكري والعلمي والمادي، وهذا التخلف الحضاري، الذي اجتذب قوى الشر من كل صوب تحاول اقتلاع جذور الإسلام من الأرض، وتندد بواقع المسلمين السيئ لتنفر من الإسلام ذاته، بزعم أن هذا الواقع هو الإسلام!
إن شكل العقيدة كما قلنا لم يتغير .. ولكن جوهرها تغير تغيرا هائلا بكل تأكيد.
لقد أصابه ما أصاب لا إله إلا الله وبقية العبادات .. أفرغ من محتواه الحقيقي، وأصبح صورة بلا رصيد.
وفي أثناء ذلك كانت عقيدة القضاء والقدر قد تحولت إلى مباحث كلامية تختلف الفرق من حولها، ولم تعد منهجا للتربية الإسلامية! قضايا فلسفية يجهد الذهن في إيجاد حلول لها، والأمة لا تُرَبَّى، ولا يلتفت أحد إلى القيمة التربوية