فهرس الكتاب
الهائلة لعقيدة القضاء والقدر في صورتها الإسلامية الصحيحة! على نفس النحو الذي تحولت به عقيدة التوحيد إلى مباحث كلامية ذهنية تجريدية باردة، لا تحرك الوجدان الديني، ولا تؤدي إلى سلوك عملي، وتزرع في القلب الشبهات أكثر مما ترسخ الإيمان! ويتناولها الدارسون على أنها"العقيدة"، فينعزل الدارسون عن واقع الناس الحيّ، وعن مقتضيات الدعوة ومقتضيات التربية، ويدورون مع"الكلام"حيث دار!
ثم يجيء طور على"المسلمين المعاصرين"ينسلخون فيه من عقيدة القضاء والقدر كما انسلخ سادتهم الأوربيون من قبل، ويقولون: نريد أن نترك العقلية الغيبية التي كانت سبب تأخرنا، وتكون لنا عقلية علمية تقدمية! إن القضاء والقدر لا وجود له إلا حيث توجد الفوضى والجهل والانحطاط والتأخر. أما حيث يوجد النظام والعلم والتقدم والتخطيط العلمي والعقول الإلكترونية فأنّى للقدر أن يتدخل، وكل شيء محسوب له ألف حساب؟!
ويَغْفُلُ هؤلاء عن معنى قوله تعالى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) [1] .
بل يَغْفُلُون عما هو أقرب إلى المشاهدة الحسية من ذلك الغيب الذي يوشك أن يتحقق. يغفلون عن الأمراض التي تفاجئ أولئك الحاسبين المخططين الذين يحسبون أنهم أغلقوا بحساباتهم كل فرصة لقدر الله أن ينفذ إلى واقع الأمور! أمراض من كل نوع: نفسية وعصبية وعقلية وجثمانية وأخلاقية واجتماعية وفكرية وسياسية واقتصادية .. كلها لم تكن في الحسبان!
(1) سورة الأنعام [44] .