فهرس الكتاب
أنها حرمان من المتاع، لأنه لا يريد أن يكتفي بالقدر الذي أباحه الله، إنما يريد أن يسترسل مع شهواته، ولا يستخدم جهاز"الضبط"الذي وهبه الله إياه ليتحكم في هذه الشهوات. وفي مقابل ذلك متاع قائم بالفعل، هو مسترسل فيه إلى أقصى المدى، ويقال له إن استمتاعه به على النحو الذي يزاوله سيحرمه من الجنة.
وحين صارت القضية على هذا النحو، وصار الخيار بين الجنة الموعودة مع الحرمان من المتاع الزائد عن الحد، وبين المتاع الطاغي مع الحرمان من الجنة في الآخرة الموعودة، فقد آثر الحياة الدنيا.
(فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى) [1] .
(بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) [2] .
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ) [3] .
وقد آثر أن يستمتع بما بين يديه من المتاع الزائد عن الحد، لأن الحرمان منه أشد لذعا في حسه من العذاب الذي توعده الله به، إما لأنه لا يؤمن بالآخرة أصلا، فالعذاب المتوعد به في حسه وهم لا حقيقة له، وإما لأنه ضعيف الإيمان بالآخرة، ومن ثم فإن ذلك العذاب، المنبهم في خياله، أخف وزنا في حسه من العذاب القريب الذي يحدثه حرمانه من المتاع.
وفي الحالين هي حالة غير سوية، تختل الموازين فيها في حس صاحبها، لأنه لا يؤمن إلا بما تدركه حواسه! [4] ويغفل عن الدلالة المعنوية لما تدركه حواسه:
(1) سورة النازعات [37 - 39] .
(2) سورة الأعلى [16 - 17] .
(3) سورة محمد [12] .
(4) هذه هي السمة البارزة للجاهلية المعاصرة بصفة خاصة، وإن كانت تنسب هذا الخلل في الفطرة إلى"العلم"ومقتضياته! كأنما كتب على العلم أن يمسخ كيان الإنسان!