الصفحة 261 من 306

ولقد سمع الصحابة - رضوان الله عليهم - هذه التحذيرات في كتاب الله المنزل، وفي حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - وامتلأت بها قلوبهم، وعلموا يقينا أن متاع الدنيا زائل، وأن الآخرة هي النعيم الحقيقي الذي يستحق أن يحرص عليه، فزهدوا في كثير من متاع الأرض ..

ولكنه - كما أسلفنا - ذلك الزهد الإيجابي المقدام البنّاء، الذي يدفع أصحابه إلى الجهاد والمجالدة والمواجهة، لا إلى الانحسار في داخل النفس. وهو - كما أسلفنا كذلك - الزهد الذي يحصِّنُ النفس ضد الفتنة لا الذي يقتل النفس للوقاية من الفتنة!

إن هذه التحذيرات جاءت للتذكير، حتى لا يفتن الناس بالدنيا وينسوا الآخرة، ولم تجيء لمنع ممارسة الحياة في الدنيا، أو منع الحركة والنشاط والعمل فيها ..

إنها أشبه بلافتات تنبه الناس إلى الخطر عند منزلقات الطريق .. لا لكي يمتنعوا عن السير! وإنما ليحذروا الانزلاق! فإذا جاء قوم فقالوا: لا نسير في هذا الطريق لأن هناك لافتات تحذّر من الانزلاق، فقد بالغوا ولا شك في الحذر حتى وصل بهم الحذر إلى القعود! والواثق من نفسه يُقْبِلُ على السير ويحاول أن يتقي المزالق. أما الخائف فإنه يكف عن المسير!

وانظر إلى هذا الحديث من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم:

"والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا فتستغفروا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم" [1] .

(1) أخرجه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت