وحين تختلف النظرة إلى غاية الوجود الإنساني تختلف النظرة إلى الحضارة، وتختلف النظرة كذلك إلى التاريخ.
فحين تكون غاية الوجود الإنساني هي الفناء في الكائن الأعظم كما تقول"النرفانا"، أو الخلاص من ربقة الجسد وإطلاق الروح لتتحد مع الخالق .. تصبح الحضارة هي تحقيق عالم الروح على حساب الجسد، وعلى حساب الجانب المادي من عمارة الأرض.
وحين تكون غاية الوجود الإنساني هي الاستمتاع بما في الأرض من متاع، بصرف النظر عن القيم المصاحبة لهذا المتاع من حلال وحرام، وخير وشر، وفضيلة ورذيلة، ورفعة وانتكاس .. تكون الحضارة هي العمارة المادية للأرض، وهي تيسير الحياة الأرضية وتزيينها، والانكباب على متعها ولذائذها، وتكون في الوقت ذاته هي محاولة التغلب على الآخرين للاستئثار بأكبر قدر من المتاع، ومحاولة إخضاعهم بالقوة والقهر، سواء بالقوة المادية أو القوة العسكرية أو القوة السياسية أو القوة الاقتصادية أو القوة العلمية .. أو كلها جميعا ..
وحين تكون الغاية هي عبادة الله - على المعنى الواسع الشامل للعبادة الذي بيناه من قبل [1] - يكون مفهوم الحضارة مختلفا عن هذا المفهوم وذاك، وكذلك يكون تفسير التاريخ، لأن المعيار الذي يقوم على أساسه التفسير، هو مدى تحقيق الإنسان لغاية وجوده، ومدى تفوقه أو تخلفه في تحقيق هذا الوجود.
سبق أن بينا في فصل مفهوم العبادة أن الله - من رحمته - جعل النشاط الطبيعي للإنسان في جميع مجالاته: الجسدية والعقلية والروحية عبادة ما دام يتوجه
(1) راجع فصل"مفهوم العبادة".