الصفحة 279 من 306

وهذا كله، وما كان في مثل اتجاهه، هو الجانب المعنوي من الحضارة في المفهوم الإسلامي.

ثم إن هناك جانبا ماديا للحضارة الإنسانية يشمله المفهوم الإسلامي، وهو جانب ضخم كذلك.

فلئن كان الإنسان مخلوقا لعبادة الله، فإن عمارة الأرض هي جانب من مفهوم العبادة الواسع الشامل، الذي يحقق خلافة الإنسان في الأرض.

(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) [1] .

(هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) [2] .

وإذا اعتبرنا إقامة لا إله إلا الله في الأرض، أي إزالة الشرك، وإقامة التوحيد، وإقامة العدل الرباني والأخلاق الإيمانية جانبا من"العمارة"، لأن الأرض لا تعمر حقا إلا تحت المظلة الإيمانية التي تقيها من الانحراف والفساد والشر .. فإن الجانب الآخر هو العمارة المادية، باستخلاص طاقات السماوات والأرض وتسخيرها لخير الإنسان.

وهذا الجانب من العمارة يحتاج إلى كدح ذهني وعضلي لتحقيقه. يحتاج إلى معرفة خواص المادة والسنن الربانية التي يُجْري الله بها هذا الكون (والتي يسمونها في الجاهلية المعاصرة"قوانين الطبيعة" [3] ثم استخدام هذه المعرفة في المجال التطبيقي في الفيزياء والكيمياء والطب والهندسة وسائر العلوم ..

(1) سورة البقرة [30] .

(2) سورة هود [61] .

(3) ذلك حين كفرت الجاهلية المعاصرة بالله، وعبدت الطبيعة بدلا منه!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت