فهرس الكتاب
وحين تعتبر الجاهلية المعاصرة هذا الجانب هو الحضارة، أو هو أهم ما في الحضارة، وأبرز منتجات الإنسان، فإن الإسلام يشترط شرطا واحدا لإدخال هذه الإنجازات في مدلول الحضارة، هو أن تكون كلها قائمة وفق المنهج الرباني، غير حائدة عن مقتضياته ..
إن استخلاص الطاقات الكونية - على ضرورته - ليس هو أهم ما يقوم به الإنسان على الأرض، ولو وصل به إلى القمر أو إلى المريخ. إنما الأهم من ذلك هو الغاية الكامنة وراءه، والأسلوب الذي يتم به، والمنهج الذي يحكمه.
وحين نقول:"الأهم"يفهم بعض الناس أننا نقول"البديل"! يعني أننا نضع القيم المعنوية بديلا من القيم المادية! و لا يقول بهذا عاقل! فالقيم المعنوية وحدها لا تملأ المعدات الخاوية إن لم يكن هناك خبز، ولا تسيّر السيارات والقطارات والطائرات إن لم يكن هناك وقود، ولا تصنع المدفع والدبابة والصاروخ إن لم تكن هناك مصانع وآلات.
تلك بديهية لا يحتاج الإنسان لذكرها .. ولكن هناك بديهية مقابلة لها لا تقل عنها بداهة، ولا تقل عنها أهمية، وإن جادلت فيها الجاهليات كثيرا، والجاهلية المعاصرة بصفة خاصة، هي أن الخبز والوقود والمصانع والآلات والسيارات والقطارات والصواريخ والدبابات والمدافع وحدها لا تصنع حضارة، ولا إنسانا متحضرا، ولا عمارة حقيقية للأرض، لأنها - وحدها - بدون"القيم"- تؤدي إلى الخراب!
وهذا الذي لا تصدقه الجاهلية المعاصرة أو لا تريد أن تصدقه رغم كل دلالة التاريخ، بل رغم النذر التي تحيط بها هي ذاتها وتكتنفها من كل جانب، وتشيع في صفوفها الخبال!