الصفحة 12 من 42

وبعد هذا البيان، نشرع فيما يلي بذكر مدى انطباق أصول الخوارج في جماعة الدولة بما لا يدع مجالا للشك في انطباق الوصف للوصف، فاسمع أُخّيَ حديثا ليس بالأغاليط.

اعلم رعاك الله أن كلمة"الخوارج"ظ علم مشهور على تلك الفرقة المعروفة التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بالمروق من الدين، وتميزت عن سائر الفرق بالغلو والإفراط والشطط والتنطع، كما تميزت في منهجها الحركي بالاندفاع والتهور والثورية العمياء، والقابلية السريعة للتمزق والاشتعال، والخوارج كثيري التشرذم والاختلاف والجدل والخصام، وقد كان هذا سببا رئيسا في تفرقهم واختلافهم؛ فقد ذكر الإمام اللالكائي في كتابه"السنة"أنه:"طاف خارجيان بالبيت؛ فقال أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الخلق، لن يدخل منهم الجنة إلا أنا وأنت. فقال له صاحبه: جنة عرضها كعرض السماء والأرض بنيت لي ولك؟ قال: أجل. قال: هي لك؛ وترك مذهبه".

وقال زيد بن جندب في الاختلاف الذي وقع بين الأزارقة:

قل للمحلين قد قرت عيونكم=بفرقة القوم والبغضاء والهرب

كنا أناسًا على دين ففرقنا =طول الجدال وخلط الجد باللعب

ما كان أغنى رجالًا ضل سعيهم=عن الجدال وأغناهم عن الخطب

إني لأهونكم في الأرض مضطربًا=ما لي سوى فرسي والرمح من نشب

فالجلافة طبعهم، وضيق الأفق سمتهم، ما خيروا بين أمرين إلا اختاروا أعسرهما، وما رأوا طريقين إلا سلكوا أشقهما، وما صادفوا احتمالين إلا انحازوا لأبعدهما .. سلسلة من تضخيم المواقف أو الاجتهادات والتكفير بها، يصاحبها سلسلة من الانشقاقات الجذرية والمفاصلات الكاملة.

وبعد هذه التعرجات اليسيرة نقول: لقد قرر أهل العلم أنه يحكم بالبدعة على كل من خرج عن سبيل أهل السنة والجماعة في أصل مما عدوه من أصول الدين، أو قاعدة من قواعده أو خالف في فروعٍ كثيرة وجزئيات متعددة مخرجة عن سمة أهل السنة وهديهم؛ كبدع الشعائر والعبادات إذ كثرت، فما هي أصول الخوارج التي من تحقق في واحد منها عد خارجيًّا؛ قال شيخ الاسلام:"قال أحمد بن حنبل: صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه قال النبي صلى الله عليه وسلم {يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم. فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة} . ولهم خاصتان"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت