الصفحة 27 من 42

فإن المتأمل بهذه الوقائع يبكي على ما وصل إليه المسلمون من ضعف الحال، حتى بدؤوا يتعاونون مع أعداء عقيدتهم، ورغم هذا التعاون فإن العدو خائن، فما فعله الخوارج بهؤلاء الأخيار ينبغي أن يكون عبرة لمن جاء بعدهم، فلا ثقة في مبتدع مهما كان نوع بدعته، وأما سلالة اليهود والمجوس فلا تسأل عن عداوتهم. ووقد منع أهل العلم من الإستعانة بأهل البدع وشددوا في ذلك أكثر حتى من الكفار كما نقل ابن مفلح في الآداب الشرعية (1\ 275) حيث قال: قال أبو علي الحسين بن أحمد بن المفضل البجلي دخلت على أحمد بن حنبل فجاءه رسول الخليفة يسأله عن الاستعانة بأهل الأهواء فقال أحمد:"لا يستعان بهم؛ قال: فيستعان باليهود والنصارى ولا يستعان بهم؟! قال: إن النصارى واليهود لا يدعون إلى أديانهم, وأصحاب الأهواء داعية".

و قال الشيخ تقي الدين:"فالنهي عن الاستعانة بالداعية لما فيه من الضرر على الأمة"وفي رواية أخرى:"أيستعان باليهود والنصارى وهما مشركان ولا يستعان بالجهمي؟ قال: يا بني يغتر بهم المسلمون وأولئك لا يغتر بهم المسلمون"، و قد عنون الشيخ محمد بن عبد الرحمن القاسم في المستدرك على مجموع الفتاوى (3/ 219) بقوله:"يستعان باليهود والنصارى ولا يستعان بأهل الأهواء كالرافضة والقدرية والجهمية وفروعهم والخوارج".

وأما عن قضية الحاكمية التي رفع الخوارج شعارها عبر التاريخ حتى سموا (بالمحكمة) وما تلا ذلك من روايات تاريخية تبين كيف استجاب الخوارج للتحكيم بداية ثم كفروا أنفسهم بقبوله، وهذه روايات باطلة كما بين أهل العلم والمحققين، بل الثابت أن الخوارج هم من رفض التحكيم طارحين شعار (لا حكم إلا لله) ، وهذا هو الذي قال فيه علي كلمة حق أريد بها باطل, وإنما أراد الخوارج بذلك التملص من النزول على التحكيم طلبًا للحصانة وتملصًا من قتل عثمان رضي الله عنه, مع تشدقهم بتحكيم الشرع, والتاريخ يعيد نفسه بتملص هؤلاء الغلاة من النزول على التحكيم الشرعي خوفًا من النتائج ومن الدماء التي سفكوها, لقد امتنعوا عن كل المبادرات التي أطلقها العلماء وظلوا يرددون في البداية أنهم مع المحاكم المشتركة فلما قبل بها المجاهدون تنزلًا طلع علينا الغلاة بصيحة جديدة وهي اشتراطهم تعيين خليفة ومن ثَم يقوم هذا الخليفة بتشكيل محكمة, والخليفة -عندهم- لا بد أن يكون مسردبا غامضا خفيا حتى يقبل, وهذا يذكرك كذلك بالرافضة الذين يربطون الأحكام كلها بوجود الإمام وكذلك المرجئة الذين يشترطون إذن الحاكم لكل أمر.

أما عن حكم الخوارج فقد قال الإمام الآجري-رحمه الله- في الشريعة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت