فهرس الكتاب
خَالَفَهُ أَوْ يَلْعَنُهُ. وَالْخَوَارِجُ الْمَارِقُونَ أَئِمَّةُ هَؤُلَاءِ فِي تَكْفِيرِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَفِي قِتَالِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ"."
ويقول أيضًا في منهاج السنة النبوية (5/ 95) :"وَلَكِنْ مِنْ شَأْنِ أَهْلِ الْبِدَعِ أَنَّهُمْ يَبْتَدِعُونَ أَقْوَالًا يَجْعَلُونَهَا وَاجِبَةً فِي الدِّينِ، بَلْ يَجْعَلُونَهَا مِنَ الْإِيمَانِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهَا، وَيَسْتَحِلُّونَ دَمَهُ كَفِعْلِ الْخَوَارِجِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالرَّافِضَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ لَا يَبْتَدِعُونَ قَوْلًا وَلَا يُكَفِّرُونَ مَنِ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُمْ مُكَفِّرًا لَهُمْ مُسْتَحِلًّا لِدِمَائِهِمْ، كَمَا لَمْ تُكَفِّرِ الصَّحَابَةُ الْخَوَارِجَ، مَعَ تَكْفِيرِهِمْ لِعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَمَنْ وَالَاهُمَا، وَاسْتِحْلَالِهِمْ لِدِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْمُخَالِفِينَ لَهُمْ".
من هذه النقول المستفيضة يتبين لك أن حقيقة الغلو في التكفير عند الخوارج ليس في تكفير مرتكب الكبائر المعروفة؛ كالسرقة أو الزنا فحسب، فهذا جزء بسيط من هذه الحقيقة، بل هو منقرض الآن تقريبًا؛ فهم يضعون لنفسهم منهجًا متميزًا وآراءً خاصة [1] ويعتبرون كل من خالفهم كافرًا.
بل وصل الأمر بخوارج العصر إلى التكفير بأعمال الطاعة كالجهاد وتحكيم الشريعة, فمن ذلك أنهم اعتبروا أن أخذ السلاح من الكفار تولٍّ لهم ومظاهرة، ونسوا أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار سلاح صفوان بن أمية, ولو تأمل العاقل فسألهم قائلا: من أين السلاح الذي تقاتلون به الآن؟ أليس من سلاح الكفار أصالةً؟ , ستقولون: لم يأخذوا السلاح إلا عبر شروط وتعهدات ورضوخ لشروط الكفار, قلنا هذا غيب لا نعلمه واطلاع على قلوب العباد لم نؤمر بالتنقيب عنه وقد يكون كلامكم حسنًا من باب سد الذريعة واتقاء الفتن ولكن كلامنا في التكفير.
إن الحرب التي تقودها الفصائل عموما هي ضد النظام النصيري، ولا مجال لإنزال أحكام المظاهرة عليهم طالما أن الحالة هي حالة حرب وضرورة, بل قد تصل إلى الإكراه أحيانا, وإننا نقول: إن أفعال خوارج العصر هي أحد الأسباب التي قد تقود بعض الناس إلى الردة والكفر كردة فعل على الظلم والبغي والعدوان .. إنهم يكفرون بالمآلات والمحتملات، ويتصيدون الزلات والعثرات من بعض التصريحات ويفهمون الكلام حسب ما يشتهون, ومن اطلع على إصدارهم المسمى"الصارم الحسام"يجد مصداق ذلك, ولقد ظهر حكم قضائي لهم بردة رجل واتهامه بالتشبيح بسبب أنه ظل عند حاجزللنصيرية -حسب كلامهم- عدة ساعات دون أي معلومات عن طبيعة عمل ونشاط هذا الرجل, ولقد كفروا أبا سعد الحضرمي والتهمة هي أخذ
(1) الخوارج ليس لهم منهج وأفكار وعقائد عامة ثابتة يسيرون عليها لأن عقيدتهم قائمة على الهوى والتشرذم، ولكنهم متفقين على استحلال دماء المسلمين وتفجير مقارهم وقتلهم، قال أبو قلابة:"ما ابتدع قوم بدعة إلا استحلوا السيف"، وقال البربهاري:"واعلم أن الأهواء كلها ردية تدعو إلى السيف"، وكان أيوب السختياني يقول:"إن الخوارج اختلفوا في الرسم، واجتمعوا في السيف".