فهرس الكتاب
وليتمن الله تبارك وتعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون) [1] .
4 -إيذاء المشركين لأبي بكر الصديق-رضي الله عنه-:
وقصة إيذائه طويلة تراها-عزيزي القارئ-في: (صحيح البخاري) ، و (مصنف) عبد الرزاق، و (دلائل النبوة) للبيهقي، و (مسند) الإمام أحمد، وفي آخرها يقول أبو بكر لابن الدغنة-لما
(1) -رواه البخاري في: (صحيحه) (7/ 103/برقم:3852) ، مناقب الأنصار، وأحمد في: (المسند) (20/ 222 - الفتح الرباني) ، وأبو داود برقم: (2649) ، كما في هامش: (فقه الابتلاء) (ص:187) .
قلت: انتصار المنهج وظهوره يحتاج إلى تضحية في سبيله، ومن أراد البرهان على ما قلت فعليه بقصة أصحاب الأخدود ففيها: (باسم الله رب الغلام) ، وفيها: (آمنا برب الغلام) (أخرجها مسلم بطول رقم:3005) -وهذه العبارة الأخيرة قيلت بعد تضحية الغلام بنفسه فداءًا لدين الله تعالى، وأحسن مثال في هذه العصر-سيد قطب البطل المجاهد-كان قتله واستشهاده انتصارًا لمنهجه الذي عاش من أجله-حتى وإن كنا لا نوافقه على كثير من اجتهاداته-، ومات في سبيله، حتى قال أحد الشيوعيين وهو في سجنه:
(إنني أتمنى أن أُقتل كما قتل سيد وينتشر مبدئي وكتبي كما انتشرت كتب سيد قطب) . بل: وجدنا مطابع النصارى في لبنان تسارع إلى طباعة ونشر كتب سيد-رحمه الله-كالظلال، والمعالم، والخصائص، والتصور، لما تدره من أرباح هائلة، نظرًا لكثرة القراء والمستفيدين والمحبين. وكأن سيدًا كان يعلم هذا حين قال:
(إن كلماتنا وأقوالنا تظل جثثًا هامدة حتى إذا متنا في سبيلها وغذيناها بالدماء عاشت وانتفضت بين الأحياء) . والذي عاش حياته (سيدًا) ، وغادر الدنيا (سيدًا) ، رافعًا رأسه، عاش في الدعوة (قطبًا) ، وغادرها (قطبًا) ، وقد طلب منه الجلادون وشيخ الأزهر أن يعتذر للطاغية عدو الناصر مقابل إطلاق سراحه، فقال: (لن أعتذر عن العمل مع الله) .
وطلب منه مشايخ البلاط أن يكتب كلمة يسترحم بها عدو الناصر ويطلب منه العفو!!! فقال: (إن أصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة، ليرفض أن يكتب حرفًا يُقِر به حكم طاغية) ، وقال أيضًا: (لماذا أسترحم؟ إن سُجنت بحق، فأنا أقبل حكم الحق، وإن سجنت بباطل، فأنا أكبر أن أسترحم الباطل!) .
وقد سأله أحد الضباط في أيامه الأخيرة عن معنى كلمة: (شهيد) ، فأجابه قائلًا: (شهيد: يعني أنه شهد أن شريعة الله أغلى عليه من حياته) . ولما طلب منه شيخ الأزهر التلفظ بالشهادتين قبل شنقه تبسم وأردف قائلًا: أيهذا الرجل إنني أقتل من أجل الشهادتين، أما أنت فتأكل بهما الخبز!!.
ومن نماذج الشموخ والبطولة على الجاهلية حتى في أشد اللحظات ما قاله البطل (سيد قطب) الذي انقطع به حبل المشنقة لحظة إعدامه بالباطل، فقال: (كل جاهليتكم رديئة، حتى حبالكم رديئة) .
انظر: (سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد) (ص:61/ 62/462/ 474/481) ، و (صناعة الحياة) (ص:60) ، و (علو الهمة) (ص:114/ 115) ، و (حقيقة الانتصار) (ص:18/ 19) للدكتور: ناصر العمري.
وقد طُلب منا نحن الشيوخ أن نوقع ورقة العفو يطلق سراحنا فورًا فرفضنا فقلت لهم: العفو معناه: عدم المؤاخذة عن الذنب. وطلبت منهم أن يضيفوا صفرًا آخر إلى (30 سنة) -التي حكمنا بها إرضاءً لأسيادهم الصليبيين-فيكون المجموع: (300 سنة) ، أما أن أطلب العفو فهذا مما ينبغي أن لا يخطر ببالكم أن أطلب العفو وأنا مظلوم، ولا تفكروا فيه حتى في المنام، بل: أقسم بالله العظيم إن عاصمًا ولدي الصغير قال لي: لا تطلب العفو منهم يا أبي هم ظلموك وأنت تطلب العفو منهم، لا تطلبه يا أبي حتى ولو قضيت في السجن ثلاثين سنة، فحمدت الله أن أخرج من صلبي مثله-حفظه الله وإخوته-.