الصفحة 200 من 269

الحنفية، لأن هذا هو السنة العلنية التى جرى عليها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كما تقدم في الحديث قبله، ولا هو التحقق من دخول الوقت كما هو ظاهر كلام أولئك الأئمة، فإن التحقق فرض لا بد منه، والحديث لا يدل إلا على شيء هو أفضل من غيره إلا على ما لا بد منه كما هو صريح قوله: ( ... فإنه أعظم للأجر) ، زِد على ذلك أن هذا المعنى خلاف قوله في بعض ألفاظ الحديث: ( ... فكلما أصبحتم بها فهو أعظم للأجر) .

وخلاصة القول: أن الحديث إنما يتحدث عن وقت الخروج من الصلاة، لا الدخول، وهذا أمر يستفاد من الأحاديث الأخرى، وبالجمع بينها وبين هذا نستنتج أن السنة الدخول في الغلس

والخروج في الإسفار [1] ، وقد شرح هذا المعنى الإمام الطحاوي في:"شرح المعاني"وبينه أتم بيان بما ظهر أنه لم يسبق إليه، واستدل على ذلك ببعض الأحاديث والآثار وختم البحث بقوله: (فالذي ينبغي الدخول في الفجر في وقت التغليس، والخروج منها في وقت الإسفار على موافقة ما روينا عن رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وأصحابه، وهو قول أبي حنيفة [2] ، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن-رحمهم الله تعالى) [3] .

(1) -انظر بحثًا جيدًا في: (مختلف الحديث) (ص:303/وما بعدها) في التغليس، وثبت أنهصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم صلى الصبح حين كادت الشمس تطلع. كما في: (المسند) (17/ 350) ، وثبت عنه أيضًا أنهصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تارة صلى في الغلس، وتارة في الإسفار. كما في: (مسند الإمام أحمد) (10/ 332) .

(2) -وقال أبو حنيفة: (والإسفار أفضل) ، كما في: (الرفع والتكميل في الجرح والتعديل) (ص:377) ، وهامش: (مسند الإمام أحمد) (20/ 238/و 19/ 173/250/ 322/و 22/ 408/و 23/ 103) من مطبوعات مؤسسة الرسالة.

وقال الحافظ ابن رجب في: (فتح الباري) (4/ 454/رقم:578) :( ... وقد حمل أحمد حديثَ رافع في الإسفار في هذه الرواية على ظاهره؛ لكنَّه فسَّر الإسفارَ برؤية الضوء على الحيطان، وجعلَ التأخير بعده تفريطًا، وهذا خلاف ما يقول أصحابنا.

وروى ابن القاسم، عن مالك: أن آخر وقتها: الإسفارُ، وكذلك روى ابن عبد الحكم عنه: أن آخر وقتها: الإسفار الأعلى. وهذا يشبه قولَ الإصطخري، إلا أن يكون مراده آخر وقتِ الاختيار.

وأما من يرى أن الإسفار أفضلُ، فلا كراهة عندهم في التأخير إلى قريب طلوع الشمس، وهو أفضل عندهم، وهو قول الثوري، والحسن بنِ حي، وأبي حنيفة وأصحابه ... ).

(3) -قال الحافظ الزيلعي في: (نصب الراية) (1/ 239/240) : (وزعم الطحاوي أن حديث الإسفار ناسخ لحديث التغليس، وأن حديث التغليس ليس فيه دليل على الأفضل بخلاف حديث رافع، أو: أنهم كانوا يدخلون مغلسين، ويخرجون مسفرين، قال: والأمر على خلاف ما قال الطحاوي، لأن حديث التغليس ثابت، وأنه عليه السلام داوم عليه إلى أن فارق الدنيا، ولم يكن-عليه السلام-يداوم إلا على ما هو الأفضل، ثم روى حديث أبي مسعود أنه-عليه السلام-صلى الصبح بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك بالغلس، حتى مات-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-لم يعد إلى أن يسفر ... ) .

وقال الحافظ أبو بكر محمد محمد بن موسى الحازمي في كتابه: (الاعتبار في الناسخ والمنسوخ في الحديث) (1/ 71/392/إلى:399/رقم:24/ح:130) ، تحت عنوان: (باب: في الإسفار بعد الصبح واختلاف الناس فيه) : (الإسفار محكم وهو أفضل، لحديث صحيح عن رافع بن خديج:"أصبحوا بالصبح فإنه أعظم لأجركم".... ) ، أو: (أعظم للأجر) ، انظر ما قال الألباني في: (صحيح سنن أبي داود) (1/ 85/رقم:409/ 424/(8) : باب: وقت الصبح): (حسن صحيح) . (سيأتي التفصيل في آخر هذه الرسالة في حكم الإسفار بعد الصبح واختلاف الناس فيه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت