الصفحة 34 من 269

ثانيًا: وأما ما يوجد في التقاويم فإنه ليس مصدر ثقة في معرفة وقت صلاة الفجر، فقد ثبت خطأ هذه التقاويم [1] .

فالواجب عليكم عدم اعتماد التقاويم في معرفة صلاة الفجر، وعليكم تحري الوقت الصحيح بما ذكرناه لك من فروق بين الفجر الكاذب والصادق، وإذا لم تستطع النظر في كل يوم في السماء: فإنه يمكنك وضع وقت احتياطي بعد أذان التقويم، وبلادنا يختلف فيها هذا الوقت من بلد لآخر، ومن فصل لآخر، فيمكنك اعتماد وقت"نصف ساعة"مثلًا لتصلي فيه الفجر، على أن تحتاط في الإمساك عن الطعام والشراب قبل ذلك [2] .

ويمكنكم وضع تقويم صحيح لتعتمده الأجيال بعدكم بعد أن تتحروا الفجر الصادق خلال عام كامل، وفي أوقات متفرقة، عسى أن يكتب لكم أجر تصحيح عبادات المسلمين [3] .

وعلى هذا، فإذا أمكنكم متابعة وقت الفجر بأنفسكم، فإنكم تعملون بذلك في الصلاة والصيام، وإن لم يمكن، فإنكم لا تصلون حتى يغلب على ظنكم دخول وقت الصلاة.

وأما في الصيام فلكم أن تأكلوا وتشربوا حتى تتيقنوا طلوع الفجر، لقوله تعالى [4] : (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ

(1) -لأن التقاويم مبنية على الحساب البارد، ومن يغتر به يجهل حقيقة عقله وما عليه من قصور، وهذا الأمر تعبدي في أصله، قد يستأنس المرء بالحساب ولكن لا يصح الاعتماد عليه شرعًا ولا عقلًا، لأنه قد يكون اعتمادًا باردًا، أعني: الاعتماد الذي يشبه كهانة الكهنة، وطعام أهل النار، (يتجرعه المرء ولا يكاد يسيغه) .

(2) -ستأتي هذه الأخبار قريبًا-إن شاء الله تعالى-في هامش هذه الرسالة محققة ومخرجة ومصححة ومشروحة.

(3) -هذا في حالة ما إذا وجدت في بلدك من يسمع لك، لأن الناس تبع للإمام الراتب، والإمام تابع لأوامر وازر الأوقاف، وواز الأوقاف تابع لأوامر المخابرات، ونحن بُحَّتْ أصواتنا ولا من يسمع، فإلى الله المشتكى.

(4) -قال شيخنا العثيمين في: (تفسير القرآن الكريم) (1/ 439/440) -عند تفسيره لهذه الآية: (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) : (أي: حتى يظهر ظهورًا جليًا، يتميز به(الخيط الأبيض) ، وهو بياض النهار (من الخيط الأسود) ، وهو سواد الليل، (من الفجر) بيان لمعنى الخيط الأبيض، ولم يذكر في الخيط الأسود"من الليل"اكتفاءً بالأول، كما في قوله تعالى: (وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر) يعني: والبرد، فهذا من باب الاكتفاء بذكر أحد المتقابلين عن المقابل الآخر).

قلت: وهذا من باب: (حذف الواو مع ما عطفت) ، كما قال ابن مالك في: (خلاصته) :

والفاء قد تحذف مع ما عطفت * والواو إذ لا لبس وهي انفردت.

وعليه فيجوز حذف المعطوف عليه بالواو والفاء؛ مثل قول بعضهم: وبك وأهلًا وسهلًا، جوابًا لمن قال له: مرحبًا، والتقدير: ومرحبًا بك وأهلًا، والثاني نحو: (أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا) ؛ أي: أنهملكم فنضرب؟ ونحو قوله تعالى: (أفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) (سورة سبأ، رقم الآية:9) .

وقال شيخنا محمد علي الصابوني في: (قبس من نور القرآن الكريم) (1/ 53) : (أي: كلوا واشربوا حتى يظهر لكم بياض الصبح من سواد الليل، فالتعبير هنا بطريق الاستعارة ... ) ، وقال في: (صفوة التفسير) (1/ 122/123) : ( ... أي: كلوا واشربوا إلى طلوع الفجر(ثم أتموا الصيام إلى الليل) أي: أمسكوا عن الطعام والشراب والنكاح إلى غروب الشمس).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت