فهرس الكتاب
ثم قال: وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى اِمْتِنَاع السُّحُور بِطُلُوعِ الْفَجْر، وَهُوَ قَوْل الأَئِمَّة الأَرْبَعَة، وَعَامَّة فُقَهَاء الأَمْصَار، وَرُوي مَعْنَاهُ عَنْ عُمَر وَابْن عَبَّاس [1] .
وَاحْتَجَّ الأَوَّلُونَ بِقَوْلِ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّن اِبْن أُمّ مَكْتُوم، وَلَمْ يَكُنْ يُؤَذِّن إِلا بَعْد طُلُوع الْفَجْر) ، كذَا فِي الْبُخَارِيِّ [2] ، وَفِي بَعْض الرِّوَايَات [3] : (وَكَانَ رَجُلا أَعْمَى لا يُؤَذِّن حَتَّى يُقَال لَهُ: أَصْبَحْت أَصْبَحْت) [4] .
(1) -انظر: (تهذيب السنن) (2/ 179/181/رقم:2347/ 46 - باب: من رأى عليه القضاء) ، أو: المطبوع في هامش: (عون المعبود شرح سنن أبي داود) (6/ 381/382/رقم:2347) فيه ما نصه: (هذا الحديث أعله ابن القطان بأنه مشكوك في اتصاله-إلى أن قال-: وهؤلاء لم يروا فرقًا بين الأكل وبين الصلاة المكتوبة) .
(2) -رواه البخاري في: (صحيحه) (رقم:592/ 4992) .
(3) -قال البيهقي في: (السنن الكبرى) (1/ 713/رقم:1784/ 26 - باب: السنة في الأذان لصلاة الصبح قبل طلوع الفجر) : (قال ابن شهاب: وكان ابن أم مكتوم رجلًا أعمى لا ينادي حتى يقال له:"أصبحت أصبحت".
رواه البخاري في: (الصحيح) - (رقم:592) -عن القعنبي، وأرسله الشافعي وجماعة من الرواة عن مالك، والحديث في الأصل موصول، وقد وصله جماعة عن مالك، منهم:
1 -ابن وهب،
2 -وروح بن عبادة،
3 -وعبد الرزاق،
4 -وكامل بن طلحة،
ووصله أيضًا جماعة عن الزهري).
(4) -سبق تخريج هذا الحديث، (قوله:(قد أصبحت) : قال الحافظ في: (الفتح) (2/ 100) ، أي: دخلت في الصباح، هذا ظاهره، واستُشكِل لأنه جُعِل أذانه غايةً للأكل، فلو لم يؤذِّن حتى يدخل في الصباح للزم منه جواز الأكل بعد طلوع الفجر، والإجماع على خلافه إلا من شذَّ كالأعمش، وأجاب ابن حبيب، وابن عبد البر، والأصيلي وجماعة من الشرَّاح بأنَّ المراد قاربت الصباح، ويعكر على هذا الجواب أن في رواية الربيع التي قدمناها:"ولم يكن يؤذن حتى يقول له الناس حين ينظرون إلى بزوغ الفجر: أذن"، وأبلغ من ذلك أن لفظ رواية المصنف التي في الصيام:"حتى يؤذن ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر".
وإنما قلت: إنه أبلغ، لكون جميعه من كلام النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-وأيضًا فقوله: (إن بلالًا يؤذن بليل) يشعر أن ابن أم مكتوم بخلافه، ولأنه لو كان قبل الصبح لم يكن بينه وبين بلال فرق لصدق أن كلاًّ منهما أذن قبل الوقت، وهذا الموضع عندي في غاية الإشكال، وأقرب ما يقال فيه: أن أذانه جعل علامةً لتحريم الأكل والشرب، وكأنه كان له من يُراعي الوقت بحيث يكون أذانه مقارنًا لابتداء طلوع الفجر وهو المراد بالبزوغ، وعند أخذه في الأذان يعترض الفجر في الأفق، ثم ظهر لي أنه لا يلزم من كون المراد بقولهم:"أصبحت"، أي: قاربت الصباح وقوع أذانه قبل الفجر لاحتمال أن يكون قولهم ذلك يقع في آخر جزءٍ من طلوع الفجر، وهذا وإن كان مستبعدًا في العادة فليس بمستبعد من مؤذن النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-المؤيد بالملائكة، فلا يشاركه فيه من لم يكن بتلك الصفة، وقد روى أبو قرة من وجه آخر عن ابن عمر حديثًا فيه:"وكان ابن أم مكتوم يتوخّى الفجر فلا يخطئه".
وقال السندي: (قوله:"فقد أصبحت"، قيل: أي: قاربت دخول الصبح بحيث يقارن الأذان أول الصبح، وهذا لأن أذانه كان حدًا ينتهي إليه الأكل والشرب للصائم، فلا بد أن لا يتأخر عن الصبح، والله تعالى أعلم) .
قال الشيخ الألباني-رحمه الله تعالى-في: (الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب) (1/ 139/140) -بعد أن ذكر رواية: (النسائي(2/ 105) ، والطحاوي، وأحمد، والطبراني من طريق هشيم عن منصور بن زاذان عن خبيب-بن عبد الرحمن-به جازمًا بالثاني بلفظ:"إذا أذن ابن أم مكتوم فكلوا واشربوا، وإذا اذن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا"والسياق لأحمد، وزاد: (وإن كانت المرأة ليبقى عليها من سحورها فتقول لبلال: أمهل حتى أفرغ من سحوري) . (وسنده صحيح ... ) ، وكذا أخرجه ابن خزيمة، وابن المنذر، ابن حبان من طرق عن شعبة.
قال الحافظ ابن حجر في: (الفتح) (2/ 81) : (وادعى ابن عبد البر وجماعة من الأئمة بأنه مقلوب، وأن الصواب حديث الباب، وقد كنت أميل إلى ذلك إلى أن رأيت الحديث في:(صحيح ابن خزيمة) من طريقين آخرين عن عائشة، وفي بعض ألفاظه ما يبعد وقوع الوهم فيه، وهو قوله:"إذا أذن عمرو فإنه ضرير البصر، فلا يغرنكم، وإذا أذّن بلال فلا يطعمن أحد". وأخرجه أحمد"."
قلت: هو في: (المسند) (6/ 185) هكذا: ثنا إسماعيل بن عمر قال: ثنا يونس بن أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد قال: قلت لعائشة أم الؤمنين: أي ساعة توترين؟ لعله قالت: ما أوتر حتى يؤذنون، وما يؤذنون حتى يطلع الفجر، قالت: وكان لرسول الله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-مؤذنان: بلال، وعمرو بن أم مكتوم، فقال رسول الله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-: (إذا أذّن عمرو فكلوا واشربوا، فإنه رجل ضرير البصر، وإذا أذن بلال فارفعوا أيديكم، فإن بلالًا لا يؤذن-كذا قال-حتى يصبح) .
وهذا سند رجاله كلهم رجال مسلم، إلا أنه منقطع، بين يونس بن أبي إسحاق والأسود بن يزيد، فإن بين وفاتيهما (84) سنة، ولعل يونس رواه عن أبيه عن الأسود فسقط من الطابع أو: الراوي ذكر أبيه، ويؤيد ذلك أن الأسود بن يزيد يروي عنه أبو إسحاق هذا-والله أعلم-ثم ذكر الحافظ وجه الجمع بين هذه الرواية وما يخالفها ... ).