فهرس الكتاب
فأجاب: (الواجب على المؤمن أن يمسك عن المفطرات من الأكل والشرب وغيرهما إذا تبين له طلوع الفجر، وكان الصوم فريضة [1] كرمضان وكصوم النذر والكفارات؛ لقول الله عز وجل:(وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) [2] .
فإذا سمع الأذان وعلم أنه يؤذن على الفجر وجب عليه الإمساك، فإن كان المؤذن يؤذن قبل طلوع الفجر، لم يجب عليه الإمساك، وجاز له الأكل والشرب حتى يتبين له الفجر [3] .
فإن كان لا يعلم حال المؤذن هل أذن قبل الفجر، أو: بعد الفجر، فإن الأولى والأحوط له أن يمسك إذا سمع الأذان، ولا يضره لو شرب، أو: أكل شيئًا حين الأذان لأنه لم يعلم بطلوع الفجر.
ومعلوم أن من كان داخل المدن التي فيها الأنوار الكهربائية لا يستطيع أن يعلم طلوع الفجر بعينه وقت طلوع الفجر، ولكن عليه أن يحتاط بالعمل بالأذان والتقويمات التي تحدد طلوع الفجر بالساعة والدقيقة، عملًا بقول النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: (دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ) [4] .
(1) -عفوًا شيخنا-رحمك الله-إذا كان الإمساك واجبًا على ما قلت، فلا فرق في كون الصوم فريضة، أم سنة!!.
(2) -سورة البقرة، رقم الآية: (187) .
(3) -روى النسائي في: (المجتبى) (1/ 270) ، وفي: (السنن الكبرى) (2/ 199/رقم:1519) ، و (2/ 206/207/رقم:1537 - التحفة:2627) -وتفرد به النسائي من بين أصحاب الكتب الستة-بسنده إلى جابر بن عبد الله، أنه قال: (صلى رسول الله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-حين تبين له الصبح) .
(4) -رواه الإمام أحمد في مواضع من: (مسنده) (3/ 169/171/رقم:1723/ 1727 - أحمد شاكر: إسناده صحيح) ، وقال محققو: (المسند) (3/ 248/250/ 252/رقم:1723/ 1727) : (إسناده صحيح-وتوسعوا في تخريجه-في مسند الحسن بن علي) ، وفي: (مسند أنس) (19/ 149/151/رقم:12099 - وتوسعوا في تخريجه أيضًا) ، وفي: (20/ 23/رقم:12550) والترمذي في: (جامعه) (4/ 668/رقم:2526) (38 - كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، رقم:60 - باب) ، وقال: (هذا حديث حسن صحيح) ، والنسائي في: (السنن الصغرى) (2/ 334) كتاب الأشربة، باب: الحث على ترك الشبهات، وابن حبان في: (صحيحه) (2/ 52/رقم:945) في باب الورع والتوكل، ذكر الزجر عما يريب المرء من أسباب هذه الدنيا الفانية، والحاكم في: (المستدرك) (4/ 99) ، وسنده قوي.
والحديث أخرجه النسائي مختصرًا بهذا اللفظ الذي أورده ابن رجب عن النووي، وأخرجه الترمذي والحاكم تامًّا وأشار الترمذي إلى أن له قصة، وقد ساقه أحمد في: (المسند) بقصته وتمامه من حديث بريد بن أبي مريم، عن أبي الحوراء السعدي، قال: قلت للحسن بن علي: ما تذكر من رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-؟ قال: أذكر أني أخذت تمرة من تمر الصدقة فألقيتها في فيَّ فانتزعها رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-بلعابها فألقاها في التمر، فقال له رجل: ما عليك لو أكل هذه التمرة؟ قال: إنا لا نأكل الصدقة.
قال: وكان يقول: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدقة طمأنينة، وإن الكذب ريبة، قال: وكان يعلمنا هذا الدعاء:(اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنه لا يذل من واليت، وربما قال: تباركت ربنا وتعاليت) -من حديث بريد- ...: (يزيد ... عن أبي الجوزاء) وكلاهما تصحيف، فالأول هو بريد (بالباء المضمومة والراء المفتوحة) ابن أبي مريم: مالك بن ربيعة السلولي البصري روى عن أبيه، وكان ذا صحبة، وعن أنس وابن عباس والحسن وأبي الحوراء: ربيعة بن شيبان، وروى عنه ابنه يحيى وشعبة وأبو إسحاق السبيعي وغيرهم، وثقه ابن معين والنسائي وابن حبان، وكانت وفاته سنة:144 - وترجمته في: (تهذيب الكمال) (4/ 52/53) ، و (تهذيبه) (1/ 432) .
أما الثاني: فقد ذكر الترمذي عقب الحديث أن أبا الحوراء السعدي اسمه ربيعة بن شيبان-وذكر القاضي عياض في: (الإلماع) (ص:156) : أن أبا الحوراء بالحاء والراء هو ربيعة بن شيبان، وأما أبو الجوزاء بالجيم والزاي فهو أوس بن عبد الله الربعبي، (يروي) عن ابن عباس، وأبو الجوزاء مثله أيضًا: أحمد بن عثمان النوفلي، من شيوخ مسلم والنسائي. أهـ
وأبو الحوراء السعدي قال الأكثرون: إن اسمه ربيعة بن شيبان، ووثقه النسائي، وابن حبان، وتوقف أحمد في أن أبا الحوراء اسمه ربيعة بن شيبان ومال إلى التفرقة بينهما، وقال الجوزجاني: أبو الحوراء مجهول لا يعرف.
انظر-ترجمته-في: (الكنى والأسماء) (ص:51) لمسلم، و (الكنى والأسماء) (1/ 161) للدولابي، و (تهذيب التهذيب) (3/ 256) .
وهذا الحديث قطعة من حديث طويل فيه ذكر قنوت الوتر-وعند الترمذي وغيره زيادة في هذا الحديث وهي: (فإن الصدقة طمأنينة، وإن الكذب ريبة) .
وفي لفظ ابن حبان في: (صحيحه) (2/ 498/رقم:722/ 7 - كتاب التوكل، 6 - باب: الورع والتوكل) تحت: (ذِكر الزجر عما يريب المرء من أسباب هذه الدنيا الفانية الزائلة) -و (موارد الظمآن) (رقم:512) : ("دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"قال:"الخير طمأنينةٌ، والشر ريبة") .
وقد أخرجه الإمام أحمد في موضعين من: (مسنده) (3/ 153) ، أو: (3/ 112 - الحلبي) ، أو: (3/ 249/250/ 252/رقم:1723/ 1727 - مؤسسة الرسالة) بلفظ: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينةٌ، وإن الكذب ريبة) (وصحح إسناده شعيب الأرناؤوط ومن معه من المحققين، وتوسعوا في تخريجه) .
وأورده الهيثمي في: (المجمع) (10/ 152) ، أو: (20/ 369/رقم:17190/ 39 - كتاب الأدعية، 19 - باب: دعاء المرء لأخيه بظهر الغيب-دار المنهاج) وقال: (رواه أحمد، وأبو عبد الله الأسدي لم أعرفه، وبقيت رجاله: رجال الصحيح) -لكن يشهد له حديث الحسن بن علي-.
وخرجه الطبراني من رواية مالك، عن نافع عن ابن عمر، مرفوعًا-أخرجه الطبراني في: (المعجم الصغير) (1/ 122/رقم:276) ، وأورده الهيثمي في: (المجمع) (10/ 295) وقال: (رواه الطبراني في:(الصغير) (1/ 102) ، وفيه عبد الله بن أبي رومان، وهو ضعيف).
ومن طريقه الخطيب البغدادي في: (تاريخ بغداد) (2/ 220) ، من رواية عبد الله بن عبد الملك بن أبي رومان الأسكندافي، عن ابن وهب به وفي آخره بعد هذا: (فإنك لن تجد فقد شيء تركته لله عز وجل) -وعقب الخطيب بقوله-: غريب من حديث مالك بن أنس، لا أعلم يروى إلا من هذا الوجه-.
قال الدارقطني: وإنما يروى هذا من قول ابن عمر، عن عمر، ويروى عن مالك من قوله-راجع: (تاريخ بغداد) (2/ 387) فقد أورد الحديث من طريق قتيبة عن مالك، وأبطل هذا الطريق ثم قال: وإنما يحفظ عن عبد الله بن أبي رومان الأسكندافي عن عبد الله بن بن وهب عن مالك، تفرد به واشتهر ابن أبي رومان وكان ضعيفًا قال: والصواب عن مالك من قوله: قد سرقه محمد بن عبد الله بن عامر بن أبي رومان، فرواه كما ذكرنا- ومن طريق الطبراني في: (الصغير) (1/ 102) أخرجه الخطيب في: (تاريخ بغداد) (6/ 385/386) من طريق إسحاق بن إبراهيم المنجنيقي البغدادي، حدثنا عبد الله بن أبي رومان الاسكندافي، حدثنا عبد الله بن وهب، حدثنا مالك بن أنس، عن نافع عن ابن عمر ... وهذا إسناد واهٍ، عبد الله بن أبي رومان ضعفه غير واحد، روى حديثًا كذبًا ووهاه الدارقطني.
وقال الحافظ ابن حجر في: (لسان الميزان) (3/ 286) : (ضعيف الأحاديث،"روى مناكير"، وباقي رجاله ثقات) .
شيخ الطبراني قال الخطيب في: (تاريخه) (6/ 386) : (وكان صادقًا صالحًا زاهدًا) فهو حسن الحديث-.
ويروى بإسناد ضعيف، عن عثمان بن عطاء الخراساني-وهو ضعيف-عن أبيه عن الحسن، عن أبي هريرة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أنه قال لرجل: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) ، قال: وكيف لي بالعلم بذلك؟ قال: (إذا أردت أمرًا فضع يدك على صدرك فإن القلب يضرب للحرام، ويسكن للحلال، وإن المسلم الورع يدع الصغيرة مخافة الكبيرة، وقد روي عن عطاء الخراساني مرسلًا.
وخرج الطبراني نحوه بإسناد ضعيف عن واثلة بن الأسقع عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وزاد فيه: (قيل: فمن الورع؟ قال الذي يقف عند الشبهة) -أورده الهيثمي في: (المجمع) (10/ 294) من وجهين ضعيفين عن الطبراني وغيره.
ويشهد للمرفوع منه حديث الحسن بن علي، وقد استوفى الكلام عليه محقق: (موارد الظمآن) (2/ 228/229/رقم:512) ، و (مسند الموصلي) (رقم:6762) ، و (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) (3/ 181/182/رقم:1247/ 3 - كتاب الطهارة، 43 - باب: إزالة الأوساخ من الأظفار) ، و (20/ 369/رقم:17190/ 39 - كتاب الأدعية، 19 - باب: دعاء المرء لأخيه بظهر الغيب) ، و (21/ 450/452/ 453/رقم:18059/ 18060/18063) -.
وقد روي هذا الحديث موقوفًا على جماعة من الصحابة منهم:
1 -عمر،
2 -وابنه عبد الله،
3 -وأبو الدرداء-رضي الله عنهم-.
وعن ابن مسعود قال: (ما تريد إلى ما يريبك وحولك أربعة آلاف لا تريبك؟!) .
انظر: (جامع العلوم والحكم) (1/ 297/299/رقم:11) بتحقيق: محمد الأحمدي.
قال السندي في: (حاشيته على مسند الإمام أحمد بن حنبل) (1/ 335/رقم:1723 - تحقيق: شيخنا ومجيزنا طارق عوض الله) :("دَعْ مَا يَريبُك"يُروى بفتح الياء وضمها، والفتح أشهر، أي: دع ما تشك فيه إلى ما لا تشك، قيل: هو مخصوص بنفوس زكية عن أوساخ الآثام.
قلت: ترك المشتبهات مطلوب في الشرع، نعم قوله: قوله:"فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ"الخ: يقتضي الحمل على ما قال، أي: يعرف الحق بطمأنينة النفس إليه، وخلافه بقلق النفس واضطرابها، فليتأمل) .