فهؤلاء الصحابة حَمَلُوا الْخَيْطَ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَلَمَّا نَزَلَ (مِنْ الْفَجْرِ) عَلِمُوا الْمُرَادَ [1] .
وقد فهم عدي بن حاتم-رضي الله عنه-الآية كما فهمها هؤلاء حتى صحح له النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-هذا الفهم وبين له المعنى المراد من الآية.
روى البخاري (1916) عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ-رضي الله عنه-قَالَ: (لَمَّا نَزَلَتْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ أَسْوَدَ وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ
(1) -قال العلامة محمود الألوسي في: (روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني) (1/ 463) : ("وكلوا واشربو"الليل كله،"حتى يتبين"أي: يظهر"لكم الخيط الأبيض"وهو أول ما يبدو من الفجر الصادق المعترض في الأفق قبل انتشاره، وحمله على الفجر الكاذب المستطيل الممتد كذنب السرحان وهو(من الخيط الأسود) وهو ما يمتد مع بياض الفجر من ظلمة آخر الليل (من الفجر) بيان لأول الخيطين-ومنه يتبين الثاني-وخصه بالبيان لأنه المقصود وقيل: بيان لهما بناءً على أن (الفجر) عبارة عن مجموعهما لقول الطائي:
وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه* وأول الغيث رشٌ ثم ينسكب
فهو على وزان قولك: (حتى يتبين العالم من الجاهل من القوم) ، وبهذا البيان خرج الخيطان عن الاستعارة إلى التشبيه لأن شرطها عندهم تناسيه بالكلية، وادعاء أن المشبه هو المشبه به لولا القرينة والبيان ينادي على أن المراد-مثل هذا الخيط وهذا الخيط-إذ هما لا يحتاجان إليه، وجوّز أن تكون (من) تبعيضية لأن ما يبدو جزء من (الفجر) كما أنه فجر بناء على أنه اسم للقدر المشترك بين الكل والجزء، و (من) الأولى قيل: لابتداء للغاية، وفيه أن الفعل المتعدي بها يكون ممتدًا أو: أصلًا للشيء الممتد، وعلامتها أن يحسن في مقابلتها (إلى) أو: ما يفيد مفادها -وما هنا ليس كذلك-فالظاهر أنها متعلقة بـ (يتبين) بتضمين معنى التميز، والمعنى حتى يتضح"لكم الفجر"متميزًا عن غبش الليل، فالغاية إباحة ما تقدم (حتى يتبين) أحدهما من الآخر ويميز بينهما، ومن هذا وجه عدم الاكتفاء بـ (حتى يتبين لكم) الفجر، أو:"يتبين لكم الخيط الأبيض من الفجر"لأن تبين الفجر له مراتب كثيرة، فيصير الحكم مجملًا محتاجًا إلى البيان.
وما أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعد-رضي الله تعالى عنهما-قال: أنزلت (وكلوا واشربوا) الخ ولم ينزل (من الفجر) فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما فأنزل الله تعالى بعد (من الفجر) فعلموا إنما يعني الليل والنهار، فليس فيه نص على أن الآية قبل محتاجة إلى البيان بحيث لا يفهم منها المقصود إلا به وأن (تأخير البيان عن وقت الحاجة جائز) لجواز أن يكون الخيطان مشتهرين في المراد منهما، إلا أنه صرح بالبيان لما التبس على بعضهم، ويؤيد ذلك أنه -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وصف من لم يفهم المقصود من الآية قبل التصريح-بالبلادة- ولو كان الأمر موقوفًا على البيان لاستوى فيه الذكي والبليد.
فقد أخرج سفيان بن عيينة، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي وجماعة عن عدي بن حاتم-رضي الله تعالى عنه-قال: لما أنزلت هذه الآية (وكلوا واشربوا) الخ عمدت إلى عقالين أحدهما أسود، والآخر أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي فجعلت أنظر إليهما فلا يتبين لي الأبيض من الأسود فلما أصبحت غدوت على رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-فأخبرته بالذي صنعت فقال:"إن وسادك لعريض، إنما ذاك بياض النهار من سواد الليل"وفي رواية:"إنك لعريض القفا"وقيل: إن نزول الآية كان قبل دخول رمضان .... ).