وقصة عدي-رضي الله عنه-وقعت بعد نزول قوله تعالى: (مِنَ الْفَجْرِ) أي: بعد حديث سهل السابق [1] .
وقد اعتذر بعض العلماء عن خطأ عدي في هذا الفهم مع نزول قوله تعالى: (مِنَ الْفَجْرِ) بأن عديًا لم يبلغه حديث سهل، أو: لم يكن من لغة قومه استعمال الخيط الأبيض والخيط الأسود للدلالة على الليل والنهار [2] .
ولذلك ترجم ابن حبان لحديث عدي بقوله [3] : (ذِكْرُ الْبَيَانِ بِأَنَّ الْعَرَبَ تَتَفَاوَتُ لُغَاتُهَا) وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ عَدِيًّا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ فِي لُغَتِهِ أَنَّ سَوَادَ اللَّيْلِ وَبَيَاضَ النَّهَارِ يُعَبَّرُ عَنْهُمَا بِالْخَيْطِ الأَسْوَدِ وَالْخَيْطِ الأَبْيَضِ).
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ [4] : ( ... حَدِيث عَدِيٍّ مُتَأَخِّرٌ عَنْ حَدِيثِ سَهْلٍ [5] ، فَكَأَنَّ عَدِيًّا لَمْ يَبْلُغْهُ مَا جَرَى فِي حَدِيثِ سَهْلٍ، وَإِنَّمَا سَمِعَ الآيَةَ مُجَرَّدَةً، فَفَهِمَهَا عَلَى مَا وَقَعَ لَهُ) اهـ.
(1) -رواه البخاري في: (صحيحه) (4/ 633/رقم:1917 - كتاب الصوم، رقم:16) ، ومسلم في: (صحيحه) (4/ج 7/ 201/202/رقم:1091 - كتاب الصيام، صفة الفجر الذي تتعلق به أحكام الصوم-مع النووي) ، و (إكمال المعلم بفوائد مسلم) (4/ 26/27/رقم:1091/ 13 - كتاب الصيام، 8 - باب: بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، وأن له الأكل وغيره حتى يطلع الفجر، وبيان صفة الفجر الذي تتعلق به الأحكام من الدخول في الصوم، ودخول وقت صلاة الصبح، وغير ذلك، و(المفهم لما أَشكل من تلخيص كتاب مسلم) (3/ 149/رقم:960/ 10 - كتاب الصوم، 3 - باب: في قوله تعالى:(حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) الآية)، و (الكوكب الوهاج والروض البهاج في شرح مسلم بن الحجاج) (12/ 372/376/رقم:2415/ 1057 - 207) .
(2) -انظر: (روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني) (1/ 463) .
(3) -انظر: (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان) (5/ 193/رقم:3454) ، وفي: (الفتح) (4/ 631/رقم:1917) .
(4) -ولفظه عند أبي العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي في: (المفهم لما أَشكَل من تلخيص كتاب مسلم) (3/ 148/رقم:959/ 10 - كتاب الصوم، 3 - باب:(حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) ... ) هكذا: (حديث عدي هذا يقتضي: أن قوله تعالى:(من الفجر) نزل متصلًا بقوله تعالى: (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) (سورة البقرة، رقم الآية:187) ، وأن عديَّ بن حاتم حمل الخيط على حقيقته، وفهم من قوله: (من الفجر) : من أجل الفجر، ففعل ما فعل بالعقال الأبيض والأسود، وهذا بخلاف حديث سهل بن سعد، فإن فيه: أن الله لم ينزل (من الفجر) إلا منفصلًا عن قوله: (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) .
ولما وقع لهم الإشكال حينئذ أنزل الله تعالى: (من الفجر) رافعًا لذلك الإشكال، وكأنَّ الحديثين واقعتان في وقتين، ويصح الجمع بأن يكون حديث عدي متأخرًا عن حديث سهل، وأن عديًا لم يسمع ما جرى في حديث سهل، وإنما سمع الآية مجردةً، ففهمها على ما قررناه).
(5) -قال الحافظ في: (الفتح) (9/ 38/رقم:4511) : ( ... ثم ذكر حديث عدي بن حاتم من وجهين في تفسير الخيط الأبيض والأسود، وحديث سهل بن سعد في ذلك) .