وقال الحافظ [1] : ( ... وَأَمَّا عَدِيٌّ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي لُغَةِ قَوْمِهِ اِسْتِعَارَةُ الْخَيْطِ لِلصُّبْحِ، ... أَوْ: نَسِيَ قَوْلَهُ:(مِنْ الْفَجْرِ) حَتَّى ذَكَّرَهُ بِهَا النَّبِيُّ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وصحبه وسلم) اهـ.
وقَالَ النَّوَوِيُّ [2] ، تَبَعًا للقاضي عِيَاض: ( ... وَإِنَّمَا حَمَلَ الْخَيْطَ الأَبْيَضَ وَالأَسْوَدَ عَلَى ظَاهِرِهِمَا بَعْضُ مَنْ لا فِقْهَ عِنْدَهُ مِنْ الأَعْرَابِ كَالرِّجَالِ الَّذِينَ حُكِيَ عَنْهُمْ سَهْلٌ وَبَعْضُ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي لُغَتِهِ اِسْتِعْمَالُ الْخَيْطِ فِي الصُّبْحِ كَعَدِيٍّ ... وأما قوله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-:(إِنَّكَ لَعَرِيضُ الْقَفَا) : فقد زعم بعضهم أن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أراد بذلك أنه فِيهِ غَبَاوَةٌ وَغَفْلَةٌ) [3] .
(1) -انظر: (الفتح) (4/ 633/رقم:1917) .
(2) -ولفظ الحافظ النووي في: (المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الجاج) (4/ج 7/ 201/202/رقم:1091 - كتاب الصيام، صفة الفجر الذي تتعلق به أحكام الصوم-مع النووي) -و (الكوكب الوهاج والروض البهاج في شرح مسلم بن الحجاج) (12/ 372/376/رقم:2415/ 1057 - 207) -عند قوله-صلى الله عليه وآله وصحبه-: ("إن وسادك لعريض"، وفي بعض النسخ:(إن وسادتك لعريض) بزيادة تاء، وله وجه أيضًا مع قوله: (عريض) ، ويكون المراد بالوسادة الوساد-كما في الرواية الأخرى-فعاد الوصف على المعنى، لا على اللفظ، وأما معنى الحديث فللعلماء فيه شروح أحسنها كلام القاضي عياض-رحمه الله تعالى-قال: (إنما أخذ العقالين وجعلهما تحت رأسه) ، وتأول الآية لكونه سبق إلى فهمه أن المراد بها هذا، وكذا وقع لغيره ممن فعل فعله حتى نزل قوله تعالى: (من الفجر) ، فعلموا أن المراد به بياض النهار وسواد الليل ... ).
(3) -انظر: (إكمال المعلم بفوائد مسلم) (4/ 25/26/رقم:1091/ 13 - كتاب الصيام، 8 - باب: بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، وأن له الأكل وغيره حتى يطلع الفجر، وبيان صفة الفجر الذي تتعلق به الأحكام من الدخول في الصوم، ودخول وقت صلاة الصبح، وغير ذلك) ، وعبارة القاضي عياض هكذا بلفظها: (وقوله-في حديث عدي-: لما نزلت:"...(وكلوا واشربوا) الآية، جعلت تحت وسادتي عقالًا أبيض، وعقالًا أسود": العقال: ما يربط به الإبل من حبال من شعر أو: غيره، وفعل من فعل ذلك، وتأوله على قوله تعالى: (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) حتى نزلت: (من الفجر) ، فعلموا أن المراد به الليل والنهار، ليس أن هذا كان الشرع أولًا، ثم نسخ ذلك بقوله: (من الفجر) على ما أشار إليه الطحاوي والداودي أثناء كلامهما، إنما المراد بفعل ذلك، وتأويله ممن لا علم عنده، ولا فقه من الأعراب، أو: من لم يكن في لغته استعمال الخيط في الليل والنهار، إذ لا يصح"تأخير البيان عن وقت الحاجة"، ألا ترى إنكار النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-ذلك على عدي، وقوله:"إن وسادك لعريض، إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار".
وفيه: وجوب التوقف عند الألفاظ المشتركة وطلب البيان فيها، وأنها لا تحمل على أظهر وجوهها، وأكثر استعمالاتها إلا عند عدم البيان فيها، وأنها لا تحمل على أظهر وجوهها، وأكثر استعمالاتها إلا عند عدم البيان فيها، وقد كان البيان عتيدًا بوجود النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-.
قال أبو عبيد:"الخيط الأبيض": الفجر الصادق، و"الخيط الأسود": الليل، و"الخيط": اللون، ففي هذا وفي قوله:"سواد الليل وبياض النهار": دليل أن ما بعد الفجر من النهار ... ).