وادعى هؤلاء أن عرْضَ الْقَفَا مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الغباوة، وَأَنْشَدَوا فِي ذَلِكَ شِعْرًا ... وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ كَثِيرٌ من العلماء مِنْهُمْ الْقُرْطُبِيُّ، والقاضي عياض، والنووي-رحمهم الله تعالى.
قال القرطبي [1] : ( ... حَمَلَهُ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى الذَّمِّ لَهُ عَلَى ذَلِكَ الْفَهْمِ، وَكَأَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّهُ نَسَبَهُ إِلَى الْجَهْلِ وَالْجَفَاءِ وَعَدَمِ الْفِقْهِ، وَلَيْسَ الأَمْرُ عَلَى مَا قَالُوهُ ... وَإِنَّمَا عَنَى-وَاَللَّهُ أَعْلَمُ-: أَنَّ وِسَادَك إِنْ كَانَ يُغَطِّي الْخَيْطَيْنِ اللَّذَيْنِ أَرَادَ اللَّهُ فَهُوَ إِذًا عَرِيضٌ وَاسِعٌ، وَلِهَذَا قَالَ فِي أَثَرِ ذَلِكَ: إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَكَيْفَ يَدْخُلانِ تَحْتَ وِسَادَتِك؟ وَقَوْلُهُ:"إِنَّك لَعَرِيضُ الْقَفَا"أَيْ: إِنَّ الْوِسَادَ الَّذِي يُغَطِّي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَرْقُدُ عَلَيْهِ إِلا قَفًا عَرِيضٌ لِلْمُنَاسَبَةِ) .
وقَالَ الْقَاضِي-رحمه الله تعالى: (مَعْنَاهُ: إِنْ جَعَلْت تَحْت وِسَادك الْخَيْطَيْنِ الَّذِينَ أَرَادَهُمَا اللَّه تَعَالَى وَهُمَا: اللَّيْل وَالنَّهَار، فَوِسَادُك الذي يَعْلُوهُمَا وَيُغَطِّيهِمَا، وَحِينَئِذٍ يَكُون عَرِيضًا، وَهُوَ مَعْنَى الرِّوَايَة الأُخْرَى فِي:(صَحِيح الْبُخَارِيّ) [2] : (إِنَّك لَعَرِيض الْقَفَا) ، وَهُوَ مَعْنَى الرِّوَايَة الأُخْرَى: (إِنَّك لَضَخْمٌ) [3] .
(1) -ولفظ القرطبي في: (المفهم لما أَشكَل من تلخيص كتاب مسلم) (3/ 148/149) -عند قوله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-:"إن وسادك لعريض"-هكذا: (حَمَلَهُ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى الذَّمِّ لَهُ عَلَى ذَلِكَ الْفَهْمِ، وَكَأَنَّهُمْ فَهِمَ منه أن النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-نَسَبَهُ إِلَى الْجَهْلِ وَالْجَفَاءِ وَعَدَمِ الْفِقْهِ، وربما عضدوا هذا بما روي! أنه-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-قال له:(إنك لعريض القفا) ، وَلَيْسَ الأَمْرُ عَلَى ذلك، فإنه حمل اللفظ على حقيقته اللسانية، إذ هي الأصل، إذ لم يَتبيَّن له دليل التجوز.
ومن تمسك بهذا الطريق لم يستحقَّ ذمًا، ولا يُنسب إلى جهل، وإنما عنى بذلك النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-وَاَللَّهُ أَعْلَمُ-: أَنَّ وِسَادَك إِنْ غَطّى الْخَيْطَيْنِ اللَّذَيْنِ أَرَادَ اللَّه، ُ اللذين هما الليل والنهار، فَهُوَ إِذًا وساد عَرِيضٌ وَاسِعٌ، إذ قد شملهما وعلاهما، ألا تراه قد قَالَ على أَثَرِ ذَلِكَ: (إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ؟!) ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَكَيْفَ يَدْخُلانِ تَحْتَ وِسَادَ؟! وَإلى هذا يرجع قَوْلُهُ:"إِنَّك لَعَرِيضُ الْقَفَا"، لأن هذا الْوِسَادَ الَّذِي قد غَطَّى اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ بعرضه لا يَرْقُدُ عَلَيْهِ، ولا يتوسده إِلا قَفا عَرِيضٌ، حتى يُناسب عرضُه عرضَه، وهذا عندي أشبه ما قيل فيه وأليق .... ).
(2) -رواه البخاري في: (صحيحه) (9/ 38/رقم:4510/ 64 - كتاب التفسير، 29 - باب:(وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها) ... ).
(3) -انظر ما قال القاضي عياض بلفظه في: (إكمال المعلم بفوائد مسلم) (4/ 26/رقم:1090) -عند قوله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-: (إن وسادك لعريض) ، لقوله: (أجعل تحت وسادتي عقالين) : (أي: إن جعلت تحت وسادك الخيطين اللذين أراد الله-وهما الليل والنهار-فوسادك الذي يعلوهما ويغطيهما عريض، وهو المعني بقوله في الحديث الأخر الذي لم يذكره مسلم، أو: ذكره البخاري-في:(صحيحه) (6/ 31) :"إنك لعريض-لعظيم-القفا"، لأن من يكون وساده هذا على عظمه قفاه من نوعه، وعلى مجانسته، وقد جاء في الرواية الأخرى:"إنك لضخم"، لا ما ذهب إليه بعضهم من أنها كناية عن الغباوة، أو: عن السمن لكثرة أكله إلى بيان الخيطين، وقيل: أراد بالوساد:"النوم"، أي: أن نومك كثير، وقيل: أراد به:"الليل"، وهذان التفسيران يبعدان في هذا الموضع، كأنه قال: إن من لم يكن النهار عنده حتى يتبين له العقالان طال ليله، وكثر نومه، وقيل: أراد بالوساد هنا: القفا، كما نص عليه في الحديث الآخر-رواه البخاري في: (صحيحه) (6/ 31) ، كتاب التفسير سورة البقرة).
وقال الدكتور سعد بن عبد الله آل حُميِّد في هامش: (سنن سعيد بن منصور) (2/ 698/701/رقم:277) : (سنده صحيح، وقد اتفق الشيخان على إخراجه ... وذكره السيوطي في:(الدر) (1/ 480) وعزاه للمصنف، وسفيان بن عيينة، وابن شيبة، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي، ومدار الحديث على عامر الشعبي، وله عنه أربعة طرق:
1 -طريق حصين بن عبد الرحمن السلمي عنه، وأخرجه المصنف هنا من طريق هشيم، عنه).