فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 273

يوافق وامتنع، فعظم قدره وارتفع وكان ذلك من تمام سعادته، وكمال سيادته، فكأنّك بالدّنيا ولم تكن، وبالآخرة ولم تزل، وتولّى الخطابة بصفد، فرأى ما اختصّ به هذا البلد من النّكد، فرغب عن الخطابة رغبة فيما عند الله، وآثرني بها ابتغاء لوجه الله، رضي بالمقدور، وقنع بالميسور، وعلم أن الدنيا متاع الغرور، أعانني الله على مكافأته، وجمعني وإيّاه في جنّاته.

ومنهم الشيخ الجليل المنقطع للعبادة والتّحصيل، الشيخ شهاب الدين أحمد بن خفاجا الفقيه الشّافعي من أئمّة الدين، اشتغل بصفد، ثمّ رحل في طلب العلم إلى دمشق، فحصّل من العلوم الشّرعيّة جملا، ثمّ عاد وأقام بقرية ابنيت، عن النّاس معتزلا، يجمع ويؤلّف، ويفتي ويصنّف، ويشتغل بمن جاءه للتعليم، ويرشد من قصده للتّفهيم، ويفعل كل ذلك تبرّعا واحتسابا، ولا يطلب من الناس على ذلك جزاء ولا ثوابا، بل هو منقطع إلى الله، متوكّل على الله، يزرع بنفسه لطلب الحلال، فإذا حصل القوت، واطمأنّت قلوب العيال، تفرّغ لعبادة ربّه، وتحصيل العلم وكتبه، وكل من جاءه لاستفتاء واشتغال أضافه من ذلك الكسب الحلال، ثمّ يشغل من اشتغل، ويجيب من سأل، فإذا فرغ أقبل على التّصنيف، وانكبّ على التّأليف، وكان لا يأكل إلّا من طعامه، ولا يقبل شيئا مدّة أيامه، وعمّر نحو السبعين، وكان له مصنّفات كثيرة في علوم الدين، شرح «كتاب التّنبيه» وسمّاه «بالمصباح» في نحو عشرة من المجلّدات، وصنّف مختصرا في الفقه نحو مجلّدين، جمع فيه مقاصد الرّوضة بأوجز العبارات، وشرح «كتاب الأربعين النّواويّة» شرحا مطوّلا، يحوي الفوائد السّنيّة، وله غير ذلك من المصنّفات، وكلّها بحمد الله نافعات، ولمّا أوقفني على شرح التّنبيه سررت به ودعوت له، وكنت آنذاك شابا صغير السّن فقلت: شعر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت