فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 153

وأظلم الجو من ذلك الإسراج، وسقط السّور ومعه ثلاثه من الأبراج (1) ، وزحف الرّوم إلى القتال، وماج عسكرهم بالأهوال، ووقف المسلمون على بنيتهم، بصدق من نيتهم، فأغنوا غناء الكرام، واستسهلوا صعب ذلك المقام.

ولم تزل الكرّات تتمادى، والجراح تتهادى، والحديد للحديد قارع، والسّيف بين الفريقين واصل وفيهما قاطع، حتى حجز بينهما المساء (2) ، وقد أغامت بمثار النّقع السّماء، وباكروهم القتال، وخلطوا بالرّجال الرجال، واستمرّ ذلك يوما بعد يوم، وأفنت الحرب / 40 / قوما إثر قوم، وخبايا البلايا تبدو، والمعاول في المشيد تشدو، ونعرات المجانيق بركائب الجلاميد تحدو.

هذا ونوء الشتاء قد أمطر، والخصر (3) بالبرد الذي أفرط صائم ما أفطر، حتى ضنيت (4) الجسوم، وكثرت الكلوم، وكلّ المسلمون وتكالت الرّوم، ووصلوا إلى نقب السّور الجديد، وصالوا عليه ببأس الحديد الشديد،

(1) في يوم السبت 13 محرم سنة 627 ه‍/ 1 ديسمبر 1229 م، سقطت الأبراج الغربية، وأصبح الطريق ممهدا لدخول المدينة، وفي 4 ديسمبر تمكن الغزاة من فتح ثغرة كبيرة في الأسوار، ولكن القوات الإسلامية جابهتهم بقوة وردتهم على أعقابهم، مما أغضب الملك خايمي ودعا جميع الفرسان وأمرهم بمواصلة القتال حتى النهاية، وقد عاهدوه على ذلك. ميجيل الكوبير، الإسلام في ميورقة، ص 85.

(2) استعارة مكنية شبّه فيها المؤلّف المساء بالشيء المادّي الذي يقوم بوظيفة الحجز كالحائط والسدّ وغيرهما.

(3) الخصر: البرد يجده الإنسان في أطرافه، وإذا كان معه جوع فهو خرص. والخصر البارد من كل شيء، يقال: خصرت يدي، وخصر يومنا: اشتد برده. لسان العرب، ج 4، ص 243.

(4) الضّنى: المرض. ضني الرجل يضنى ضنى شديدا إذا كان به مرض مخامر. والضّنى: السقيم الذي قد طال مرضه وثبت فيه. وأضناه المرض أي أثقله. وتضنّى الرجل إذا تمارض. ورجل ضنى وامرأة ضنى، ويستوي فيه المذكر والمؤنث والجمع لأنه مصدر. لسان العرب، ج 14، ص 486.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت