وأثناء ما ذكر كانت أخبار العدو تزيد، وقضاء الله ينفذ كما يريد، فرأى الوالي أن يجهز غرابا يصل غدوّه بمسراه، ويذهب حتى يعاين مجتمع العدو في مرساه. فزجر منه أشأم طائر (1) ، وزجّى منه واردا غير صادر، فإنه بعد أن شارف المجتمع، وقارب أن يرى وأن يسمع، عصفت عليه ريح ردّته، ولو لا كمال عدّته لأردته، وما زالت تقلبه ظهرا لبطن، وتغلبه على اختياره وهو من أمر العطب على غير أمن، حتى انتهت به إلى غايته الشقية، ورمت به بنشكلّة (2) قاصية الثغور الشرقية. وهنالك تورّط في الساحل، وعنّى جوابا على السائل، وأخذ أهل / 19 / بنشكلّة جميع عدده، وجاء النصارى فأضرموا النار في جسده، وكان صحيفة استعجمت وعهدت مقروءة، وعينا (3) لميورقة أصبحت مفقودة مفقوءة (4) .
(1) استعارة مكنية شبّه فيها المؤلف السفينة السوداء (الغراب) بالطائر الذي يزجر أي ينهر. والزجر للطير هو التيمن والتشاؤم بها والتفاؤل بطيرانها كالسّانح والبارح، وهو من الطّيرة. لسان العرب، ج 4، ص 319.
(2) بنشكلة (Peniscola) : من ثغور شرق الأندلس، تقع على ضفة البحر جنوب طرطوشة وهي واحدة من حصونها وقلاعها المنيعة. وصفها الحميري بأنها عامرة وآهلة ولها قرى وعمارات ومياه كثيرة وبها عين ثرّة تريق في البحر. ويقابل مرساها من برّ العدوة مرسى جزائر بني مزغنة كما يقول البكري. وهي التي أنجبت واحدا من أغرب شخصيات التاريخ الأندلسي الذي حمل لواء الصراع الشهير ضد الموحدين، يتعلق الأمر بأبي عبد الله محمد بن سعد بن محمد بن سعد بن مردنيش الجذامي (518 ـ 567 ه/ 1124 ـ 1172 م) . وكان سقوطها في أيدي نصارى أراجون مع حصون وقرى أخرى سنة 632 ه/ 1234 م، تمهيدا لسقوط الثغر الإسلامي العظيم وهو مدينة بلنسية سنة 636 ه/ 1238 م. البكري، المسالك والممالك، ص: 82. الحميري، الروض المعطار، ص 104. ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج 7، ص 131.
(3) استعارة مكنية شبه فيها المؤلف السفينة الحربية (الغراب) بالكائن الحي الذي له جسد وحواس كالعين وغيرها.
(4) جناس ناقص بين"مفقودة ومفقوءة".