واتصل بالوالي في أخريات ذي الحجة من سنة ثلاث وعشرين وستمائة (623 ه) أن مسطّحا من برجلونة (1) ظهر على يابسة / 6 / وقعد عليها مخيفا، وأقام حواليها مطيفا (2) ، وأنّ مركبا من طرطوشة انضم إليه في ذلك المكان، وفيه من المال ما يخرج حصره عن الإمكان. فأغذ حركة زهوه، وأعدّ قطع غزوه، وملأها بكماة الهياج (3) ، وحماة سرح الأثباج (4) ، وجعل أحد بنيه، ووسمه بالتسمية لهذا الوجه النبيه، فخرج حتى نزل بمرسى (5) يابسة ووجد فيه لأهل جنوة (6) مركبا كبيرا، فأنشأ فيه تدبيرا، وعزم أن يعمره
(1) برشلونة قاعدة قطلونية، تحدها من الشمال الشرقي مقاطعة جيرندة ومن الغرب لاردة ومن الجنوب طركونة. والناظر إلى برشلونة اليوم يجدها مكونة من ثلاث مدن: الأولى برشلونة الأصلية وهي التي على سيف البحر، وبرشلونة المحدثة في القرون الوسطى وهي التي تتألف منها المدينة العظمى اليوم، وبرشلونة الحديثة التي أحدثت في هذا العصر واتصلت بالضواحي والقرى. وقد فتحها المسلمون في أواخر القرن الأول الهجري. وفي سنة 185 ه/ 801 م قامت فتنة بين الأمير الأندلسي الحكم بن هشام (180 ـ 206 ه) وبين عمّيه، فاغتنم العدو النصراني الفرصة وقصد برشلونة فملكها، ولم تنجح القوات الإسلامية التي بعثها الحكم بقيادة حاجبه ابن مغيث في استرجاعها. وكان ضياع هذه القاعدة الهامّة بعد أن بقيت تسعين سنة في أيدي المسلمين. المقري، نفح الطيب، ج 1، ص 339. شكيب أرسلان، الحلل السندسية، ج 2، ص 272.
(2) جناس ناقص بين"مخيفا ومطيفا".
(3) الكماة جمع كمي وهو الشجاع المقدم الجريء المتكمّي في سلاحه أي المستور بالدّرع والبيضة. والهياج والهيجاء هي الحرب. لسان العرب، ج 2، ص 395، وج 15، ص 232.
(4) جمع ثبج وهو معظم الشيء ووسطه وأعلاه. لسان العرب، ج 2، ص 219.
(5) جاء في الروض المعطار أن بجزيرة يابسة عشرة مراسي وبها أنهار جارية. الحميري، الروض المعطار، ص 616.
(6) من الجمهوريات الإيطالية التي كانت تتمتع بقوة بحرية ونفوذ تجاري في حوض البحر المتوسط الغربي خلال العصر الوسيط. وعن مدينة جنوة يقول الحميري: مدينة في بلاد الروم على ساحل بحر الشام، وهي مدينة قديمة البناء حسنة الجهات، شاهقة البناء وافرة البشر كثيرة