فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 153

قد تقدّم أن أكثر مدّة هذا الوالي كانت صفوا بلاد كدر (1) ، ونفعا دون ضرر، وأن أمور الرعية كانت عنده مرعية، وسياسته لم تزل سديدة مرضية، وما نقم منه إلّا ازدياد من الدّنيا وحطامها، وانقياد من الأطماع في خطامها (2) . فلما تمّ على قومه من الخلع بالأندلس ما تمّ، وورد عليه من الخبر ما انزعج له واهتم، أوى إليه طرداء منهم آواهم، ورقّ لبلواهم، فأشاروا عليه بالاحتراس، وحملوه على إساءة الظن بالناس، وانضم كل ذي حي إلى حيّه، ونقل صاحبه إلى مثل رأيه، وهم قوم لهم الأفئدة غلاظ (3) ، وكل منهم على غير صنفه حنق مغتاظ، وقد وتروا (4) فهم يعضون الأنامل حسرة، ويرون / 13 / التأثير في أهل الجزيرة ثؤرة. فدبّروا حصول هذه الغاية، ودبّوا بين الوالي وبينهم بالسعاية، وقرّروا عنده أنهم يبغضون القبائل، وينصبون لهم الحبائل (5) ، وأنهم إن أهملوا أوقعوا بهم في الأموال والأنفس، وفعلوا بهم ما فعله أهل الأندلس.

(1) كناية عن الأوضاع الحسنة التي عرفها عهد الوالي أبي يحيى التنملّي.

(2) الخطام وجمعه خطم، وهو الحبل الذي يقاد به البعير. والخطام: الزّمام. وخطمت البعير: زممته. والخطام كل حبل يعلّق في حلق البعير ثم يعقد على أنفه. وقيل هو كلّ ما وضع في أنف البعير ليقاد به. وخطام الدّلو: حبلها. وخطام القوس: وترها. وقد استعار المؤلف هنا الخطام في الأطماع كما استعارها بعض الرّجّاز أيضا في الحشرات حين قال:

يا عجبا لقد رأيت عجبا ... حمار قبّان يسوق أرنبا ...

عاقلها خاطمها أن تذهبا ... فقلت أردفني فقال مرحبا

لسان العرب، ج 12، ص 186.

(3) كناية عن الخلاف بين الميورقيين.

(4) الوتر والوتر والتّرة والوتيرة: الظّلم في الذحل (الثأر) وقيل هو الذّحل عامّة. وكل من أدركته بمكروه فقد وترته وترا وترة. والموتور: الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه. وفي حديث محمد ابن مسلمة: أنا الموتور الثائر أي صاحب الوتر الطالب بالثأر. وقيل الوتر في الذّحل (الثأر) ، والوتر في العدد. لسان العرب، ج 5، ص 274.

(5) جناس ناقص بين"القبائل والحبائل".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت