كان لأميرها أبي إبراهيم إسحاق بن محمد (1) فينا أيام تشيب النواصي، وغارات تبلغ الأقاصي، حتى قطع عن البحر والساحل القاطع والقاطن، وأعاد مواطئ لخيله تلك المواطن. والآن بذلك الكيل تكال، ففيما التلكؤ وعلام الاتكال؟
واجتمعوا إلى ملكهم الذي سمّيناه (2) فقالوا قد خامر الأمر الفظيع (3) ، وإن ضعنا فأنت هو المضيع، وكيف ترضى بخطة الخسف، أو تقنع لجبالهم وبحارهم / 8 / بدون النسف والنزف (4) ، وإنما هي خطتان إمّا سلم نقبلها كرها، أو حرب (5) لا ندع فيها من وجوه النظر وجها، فإن اخترت الحرب ففينا العدة والعدد، ومنا مع المدد البعوث والمدد (6) ، ونحن نجهز بأموالنا جيشا يتلوه
(1) هو أبو إبراهيم إسحاق بن محمد بن علي بن غانية المسّوفي، حكم الجزائر الشرقية (جزر البيليار) مدة ثلاثين سنة (550 ـ 580 ه/ 1155 ـ 1184 م) ، تمكن خلالها من بناء أسطول بحري قوي، ولجأ إليه الكثير من المرابطين بعد سقوط دولتهم على يد الموحدين. وقد وصل مسلمو جزر البليار في عهده ذروة قوتهم العسكرية وقمة جرأتهم، وحققوا انتصارات بحرية باهرة في حوض البحر المتوسط الغربي، وحصلوا على مغانم كثيرة. وفي ذلك يقول المراكشي صاحب المعجب:"وأقبل على الغزو، وصرف عنايته إليه، فلم يكن له هم غيره، فكان له في كل سنة سفرتان إلى بلاد الروم، يغنم ويسبي وينكي في العدو أشد نكاية، إلى أن امتلأت أيدي أصحابه أموالا، فقوي بذلك أمره". وهذا ما تؤكده المدونات الفرنجية نفسها. المراكشي، المعجب، ص 388. ابن خلدون، العبر، مج 6، ص 287. ابن عذاري، البيان (قسم الموحدين) ، ص 239. ألبار وكمبانير، تخطيط تاريخي للحكم الإسلامي في جزر البليار، ص 140 وما بعدها. عصام سالم سيسالم، جزر الأندلس المنسية، ص 324 وما بعدها.
(2) يريد الملك خايمي الأول صاحب قطلونية وأراغون.
(3) كناية عمّا أصاب النصارى على أيدي المسلمين.
(4) النسف: القلع، وانتسفت الشيء: اقتلعته. والنزف: يقال نزفت ماء البئر أي نزحت وذهب ماؤها. وأنزف القوم إذا ذهب ماء بئرهم وانقطع. لسان العرب، ج 9، ص 325 ـ 326.
(5) طباق الإيجاب بين"السلم والحرب".
(6) جناس ناقص بين"العدد والمدد".