ورأى السفن لجانب البر سراعا، فصحّ الأمر عنده بما انضمّ من القرائن إلى الأنباء، وبقي مترددا في الجماعة بين القتل والإحياء (1) . ثم عزم على استبقائهم، وأمر باستدعائهم، فسمح لهم بالصّفح والعفو، وعرّفهم بخبر العدو، وأمرهم بالتجهز للغزو، فخرجوا إلى دورهم، وكأنما أنشروا من قبورهم (2) . وتقدّم الوالي بالتنوير في البرج المنيف، وجعله في استنفار الرعية علامة هي مناط التكليف، فقال الناس نار وراءها جندلة المراجم (3) ، / 23 / ووافدها وافد البراجم (4) . وإنما أراد أن يوقع في شرك شررها، وتتم له حيلة تبسّطنا من
ـ بانتالو Pantaleu وهي القوات التي خاضت أول معركة مع المسلمين في سانتا بونزا، وذهب القسم الآخر إلى ميناء بوراسا Porrasa حيث التقى بالمسلمين في معركة بورتوبي الواقعة على بعد 5 كلم من مدينة ميورقة في الثامن عشر من شهر شوال. يوسف أشباخ، تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين، ج 2، ص 172.
(1) طباق الإيجاب بين"القتل والإحياء".
(2) كناية عن الوضع الصعب الذي كان يعاني منه الأسرى.
(3) الجندل: الحجارة والواحدة جندلة. والمراجم جمع مرجام وهو الذي ترجم وترمى به الحجارة.
قال أمية الهذلي:
تمرّ كجندلة المنجنيق ... يرمي بها السور يوم القتال
الفيروز آبادي، القاموس المحيط، ص 1002. لسان العرب، ج 11، ص 128.
(4) إن الشقي وافد البراجم: مثل عربي يضرب لمن يوقع نفسه في هلكة طمعا. والقائل هو عمرو بن هند الملك، والسبب هو أن سويد بن ربيعة التميمي قتل أخاه وهرب، فنذر الانتقام وأحرق به مائة من تميم وتسعة وتسعين من بني دارم وكلهم من النساء والصبيان، ولم يقتل سوى رجلا واحدا من البراجم يسمّى عمارا. وكان عمرو بن هند الملك قد أعدّ ذات يوم نارا ليحرق بها عجوزا تميمية، فلما رأى عمار الدخان يسطع قصده ظنا منه أنه طعام، فوجد عنده عمرو بن هند في رجاله. وبعد أن سأله عن سبب قدومه قال له: إن الشقي وافد البراجم، وأمر به فألقي في النار، وذهبت كلمته مثلا وفي ذلك يقول جرير:
وأخزاكم عمرو كما قد خزيتم ... وأدرك عمارا شقي البراجم