ومنهم الموَكَّلون بالنارِ أعاذنا اللهُ منها وهم الزَّبَانِيَةُ, ومقَدَّمُوهم تسعةَ عشرَ وخازنُها مالكٌ, وهو مقَدَّمٌ عَلَى الخَزَنَةِ, وهم المذكورون في قولِه تعالى: {وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ} سورةُ المؤمنون الآيةُ: 49، وقالَ تعالى: (( وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ) )سورةُ الزخرفِ، الآيةُ: 77. وقالَ تعالى: {عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} سورةُ التحريمِ الآيةُ: 6. وقالَ تعالى: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً} إلى قولِه: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} سورةُ المدَّثِرِ الآيةُ:20، 21.
ومنهم الموَكَّلُون بحفظِ بني آدمَ كما قالَ تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ من بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ} سورةُ الرعْدِ الآيةُ: 11. قالَ ابنُ عبَّاسٍ: ملائكةٌ يَحْفَظونه من بينِ يدَيْه ومن خَلْفِه, فإذا جاءَ أمْرُ اللهِ خَلَّوْا عنه. وقالَ مجاهدٌ: ما من عبدٍ إلا ومَلَكٌ موَكَّلٌ يَحْفَظُه في نومِه ويَقَظَتِه من الجنِّ والإنسِ والهوامِّ, فما منها شيءٌ يأتيه يريدُه إلا قالَ له: وراءَك. إلا شيءٌ يَأذَنُ اللهُ تعالى فيه, فيُصِيبُه.
ومنهم الموَكَّلون بحفْظِ أعمالِ العِبادِ كما قالَ تعالى: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} سورةُ ق الآيةُ: 17.
وقالَ تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} سورةُ الانفطارِ الآيةُ: 10 - 12. روى البزَّارُ عن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ عَنِ التَّعَرِّي فَاسْتَحْيُوا مِنْ مَلَائِكَةِ اللهِ الَّذِينَ مَعَكُمُ, الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ الَّذِينَ لَا يُفَارِقُونَكُمْ إِلَّا عِنْدَ ثَلَاثٍ؛ الْغَائِطِ وَالْجَنَابَةِ وَالْغُسْلِ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ بِالْعَرَاءِ فَلْيَسْتَتِرْ بِثَوْبِهِ أَوْ بِجِذْمِ حَائِطٍ أَوْ بِغَيْرِهِ ) )قالَ الحافظُ ابنُ كثيرٍ: ومعنى إكرامِهم أنَّ يَسْتَحْيَ منهم فلا يُمْلِي عليهم الأعمالَ القبيحةَ التي يَكْتُبونها؛ فإنَّ اللهَ خَلَقَهُم كِرامًا في خلْقِهم وأخلاقِهم. ثم قالَ ما معناه: إنَّ مِن كَرَمِهم أنهم لا يَدْخُلون بيتًا فيه كلبٌ, ولا صورةٌ, ولا جُنُبٌ, ولا تِمثالٌ, ولا يَصْحَبون رُفقةً معهم كلْبٌ أو جَرَسٌ.
وروى مالكٌ والبخاريُّ ومسلمٌ عن أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ, أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ ) ). وفي روايةٍ: أنَّ أبا هريرةَ قالَ: اقْرَؤُوا إنْ شِئتُم: (( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ) )سورةُ الإسراءِ الآيةُ 78. وروى الإمامُ أحمدُ ومسلمٌ حديثَ: (( مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ في بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ ) ). وفي المسنَدِ والسنَنِ حديثُ: (( إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضَاءً بِمَا يَصْنَعُ ) ). والأحاديثُ في ذكْرِهم عليهم السلامُ كثيرةٌ جِدًّا.