الصفحة 11 من 36

شكل يبين نمو الأصول الإسلامية العامة

ولمسايرة هذا الواقع الصعب واحترام التعاليم الشرعية في آنٍ واحدٍ، فإن الاقتصاد الاسلامي مطالبٌ بإبداع الحلول وابتكار المخارج، فكما يقال:"الحاجة أم الاختراع"؛ و"الحيلة رسول الشدة"؛ لأن المشاكل المعروضة إما أن تجد لها حلاًّ في اتباع التجارب السابقة والتقليد البناء، وإما تضطرُّ الباحث إلى ابتكار حلولٍ جديدةٍ واستراتيجياتٍ إبداعيةٍ؛ ولعل هذا ما لوَّحَ إليه الشافعي رحمه الله حين قال:"والعلم من وجهين: اتباع، أو استنباط، والإتباع إتباع كتاب، فإن لم يكن فسنة، فإن لم تكن فقول عامة من سلفنا لا نعلم له مخالفًا، فإن لم يكن فقياس على كتاب الله عز وجل، فإن لم يكن فقياس على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يكن فقياس على قول عامة من سلف لا مخالف له، ولا يجوز القول إلا بالقياس وإذا قاس من له القياس، فاختلفوا وسع كلا أن يقول بمبلغ اجتهاده، ولم يسعه إتباع غيره فيما أدى إليه اجتهاده بخلافه، والله أعلم" [1] .

وهنا تبرز أهمية النصوص الشرعية، فإما أن نجد فيها الحل جاهزًا، وما علينا حينئذٍ إلا الاتباع؛ وإما أن يحتاج إلى نظرٍ وتأملٍ، ونكون مضطرين إلى الاجتهاد والاستنباط، وذاك حقلٌ له فرسانه؛ لأنه لا يسوغ إلا عند غياب النص الشرعي الصحيح الصريح، ولا يتأتى إلا في ظل عمليةٍ إبداعيةٍ، تستوجب تصورًا شاملًا وفهمًا متقدًا، يتولد عنه ابتكار الحل المفقود من خلال النص الشرعي الموجود. فالاجتهاد الفقهي في أصله ابتكارٌ وإبداعٌ؛ لأنه يستنبط حكمًا مفقودًا انطلاقًا من نصوصٍ شرعيةٍ موجودةٍ، وهذه العملية محاطةٌ بسياج التقوى والاحتياط، لمراقبة الشرع، ومُبَشِّرةٌ برحاب الأجر لأن المجتهد مأجورٌ على كل حال.

إن الاقتصاد الإسلامي من أكثر المجالات حاجةً إلى النصوص الشرعية؛ بحكم أن هذا الميدان قد رام الشريعة الإسلامية، ولا تطبق هذه إلا بالرجوع إلى الوحيين، فالمالية الإسلامية محتاجةٌ إلى الكفاءة والتطوير، مما ينادي بالإبداع والابتكار لأجل الاستقرار والاستمرار، لا سيما إذا ما نظرنا إلى التطور المهول للمعاملات

(1) الأم، للشافعي، 1/ 179.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت