الصفحة 16 من 36

والسَّلَم هو بيع آجلٍ بعاجلٍ، وهو عقدٌ على بيعٍ موصوفٍ في الذمة إلى أجلٍ مسمىً بثمنٍ يسلم في مجلس العقد، وفائدته هو حصول المشتري على السلعة بثمنٍ أرخص، واستفادة البائع من السيولة؛ قال علي القره داغي:"والسلم والسلم الموازي [1] حيث إنهما يحلاّن مشكلات السيولة لدى أصحاب المصانع، والمقاولات والمزارع ونحوها، حيث يتسلمون الأموال الكافية ويبيعون إنتاجهم المستقبلي في وقتٍ مبكرٍ، وفي ذلك نوعٌ كبيرٌ من الاطمئنان، كما أنهما يساعدان أصحاب الأموال وبنوك التمويل وشركات الاستثمار على استثمار أموالهم بصورةٍ جيدةٍ وأرباحٍ مجزيةٍ" [2] .

وعن أبي سعيد الخدري، قال:"بينما نحن في سفرٍ مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجلٌ على راحلةٍ له، قال: فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من كان معه فضل ظهرٍ، فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضلٌ من زادٍ، فليعد به على من لا زاد له"، قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحدٍ منا في فضلٍ" [3] ، ولو طبقنا هذا الحديث في نظري، لما بقي على ظهر الأرض جائعٌ ولا معوزٌ؛ لأن المشكلة ليست في قلة الموارد وإنما في سوء توزيعها، وفي تغييب الإبداع والابتكار في استثمارها؛ ولو أن ذوي الدثور جادوا بما فضل عليهم من سيولةٍ في سبيل تمويل من لا عمل له، لَحُلت مشاكل البطالة لا محالة. وفيما صرح به الراوي من ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم لأصنافٍ عدةٍ من المال، فتحٌ لباب الاجتهاد في إيجاد مخارج تمويليةٍ لحاجات ملحةٍ. وفي هذا الصدد، فمن لم يجد أرضًا يزرعها فهناك مخرجٌ في حديث جابر حين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من كانت له أرضٌ فليزرعها، فإن لم يستطع أن يزرعها وعجز عنها، فليمنحها أخاه المسلم، ولا يؤاجرها إياه" [4] ، فهذا رجلٌ له خبرةٌ وقوةٌ لكنه لا يملك أرضًا يزرعها، وذاك رجلٌ يملك الأرض ولا يقوى على زرعها، فأتانا هذا الحديث بالمخرج، حتى لا تضيع الأرض وتبقى عاريةً عن الزراعة، ولا تضيع خبرة الزارع فيبقى بدون عملٍ، وفي هذا من الإبداع والابتكار ما لا يخفى على ذي لبٍّ.

(1) صورته أن يشتري سلعةً بالسلم، ثم يبيعها لطرفٍ آخر بالسلم بعد الأجل الأول، مع كون العقدين منفصلين، قال الشافعي:"ومن سلف في طعام ثم باع ذلك الطعام بعينه قبل أن يقبضه لم يَجُز؛ وإن باع طعامًا بصفةٍ ونوى أن يقضيه من ذلك الطعام فلا بأس، لأن له أن يقضيه من غيره، لأن ذلك الطعام لو كان على غير الصفة لم يكن له أن يعطيه منه، ولو قبضه وكان على الصفة كان له أن يحبسه ولا يعطيه إياه، ولو هلك كان عليه أن يعطيه مثل صفة طعامه الذي باعه". الأم، للشافعي، 3/ 72.

(2) إدارة السيولة في المؤسسات المالية الإسلامية -دراسة فقهية اقتصادية -، لعلي القره داغي، ص 40.

(3) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب اللقطة، باب استحباب المؤاساة بفضول المال، 3/ 1354.

(4) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البيوع، باب كراء الأرض، 3/ 1176.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت