الصفحة 15 من 36

"لا تفعل، بع الجمع [1] بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا" [2] ؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكتف ببيان حرمة المعاملة بل دل على المخرج الشرعي لها، وهذه طريقةٌ إبداعيةٌ سليمة تمكن من الفرار من الحرام الى الحلال، قال الخصاف:"فقد أمره رسول الله أن يشتري التمر بالدراهم ونهاه أن يكون التمر وأحدهما أكثر من صاحبه، ليخرج بذلك فيما لا يحل إلى ما يحل، فافهموا ما أراد بذلك الخروج من الإثم إلى الحق" [3] .

ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ (283) } [4] ، قال ابن القيم:"وقاست الأمةُ الرَّهنَ في الحضر على الرهن في السفر، والرهن مع وجود الكاتب على الرهن مع عدمه" [5] ؛ فهذا إبداعٌ قرآنيٌّ يسَّر حلًا للمقرض بضمان حقه، وللمقترض بالحصول على الدين، وهو من الحلول التي يُفزع إليها في بعض المعاملات الاقتصادية اليوم.

وقال ابن القيم: ومن ذلك أن سمرة بن جندب لما باع خمرَ أهلِ الذمة وأخذه في العشور التي عليهم، فبلغ عمر فقال: قاتل اللَّه سمرة، أما علم أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:"لَعَنَ اللَّه اليهود، حُرِّمَتْ عليهم الشحوم فجَمَلوها وباعوها وأكلوا أثمانها". وهذا محض القياس من عمر رضي اللَّه عنه؛ فإن تحريم الشحوم على اليهود كتحريم الخمر على المسلمين، وكما يحرم ثمن الشحوم المحرَّمة فكذلك يحرم ثمن الخمر الحرام [6] .

والشاهد هنا هو فتوى عمر رضي الله عنه في نازلةٍ اقتصاديةٍ استنادًا إلى نصٍّ شرعيٍّ بطريقةٍ إبداعيةٍ.

ويُفهم من تبويب البخاري رحمه الله:"باب اصطناع المال" [7] ، أهمية النص الشرعي في الحصول على السيولة المالية، ومن ذلك عقد السلم كما في حديثٍ عن ابن عباس، قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال:"من أسلف في تمرٍ، فليسلف في كيلٍ معلومٍ، ووزن معلومٍ، إلى أجلٍ معلومٍ" [8] .

(1) تمر رديء، وقد فسره في رواية أخرى بأنه الخلط من التمر ومعناه مجموع من أنواع مختلفةٍ. المرجع نفسه.

(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه، 3/ 77. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب بيع الطعام مثلا بمثل، 3/ 1215. واللفظ للبخاري.

(3) كتاب الخصاف في الحيل، لأحمد الخصاف، ص 4.

(4) سورة البقرة، جزء من الآية:283.

(5) إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم، 2/ 366.

(6) إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم، 2/ 367

(7) الأدب المفرد، لمحمد بن إسماعيل البخاري، ص: 242.

(8) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب السلم، باب السلم في كيل معلوم، مرجع سابق، 3/ 85. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب السلم، مرجع سابق، 3/ 1226. والرواية لمسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت