لِتَعَقُّد منتجاتها وللمنافسة الشرسة التي تلقاها من الاقتصاد التقليدي، وفي هذا الصدد يقول ابن القيم:"من فقه المفتي ونصحه إذا سأله المستفتي عن شيءٍ فمنعه منه، وكانت حاجته تدعوه إليه، أن يدله على ما هو عوضٌ له منه، فيسد عليه باب المحظور، ويفتح له باب المباح، وهذا لا يتأتى إلا من عالمٍ ناصحٍ مشفقٍ يريد أن يتاجر مع الله بعلمه. فمثاله في العلماء مثال الطبيب العالم الناصح في الأطباء يحمي العليل عما يضره، ويصف له ما ينفعه، فهذا شأن أطباء الأديان والأبدان" [1] .
مع الإشارة إلى أن هذه الحاجة الملحة إلى الإبداعات والابتكارات لا ينبغي أن تكون ذريعةً لسلوك منهج الحيل المحرمة، وهذا ما حصل لبعض المعاملات المالية المعاصرة، حين أرادت بعض المصارف الإسلامية إضفاء قالبٍ شرعيٍّ على الفكر المصرفي الربوي بنهج مسلك الحيل الممنوعة فأنتجت معاملاتٍ صوريةً، مما أثر على سمعتها وشكك في مصداقيتها؛ وهذا ليس تعميمًا، فمن المصارف الإسلامية من يتخلص من أي معاملةٍ فيها شبهة التحيّل [2] .
فلا غرو أن إقدام العلماء على التنقيب في النصوص عن المخرج والبديل المباح للمعاملة المالية، لكفيلٌ برفع الحرج عن المكلفين حتى لا ينفلتوا من الحلال الشرعي إلى المحرم المتيسر، ولله در سفيان الثوري حين قال:"إنما العلم عندنا الرخصة من ثقةٍ فأما التشدد فيحسنه كل أحدٍ" [3] .
والشواهد كثيرةٌ من النصوص الشرعية، تدل على خدمتها للاقتصاد الاسلامي، فهي مجالٌ خصب للإبداع والابتكار، وعلى ذلك أمثلةٌ كثيرةٌ منها:
عن أبي سعيد الخدري، وعن أبي هريرة رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلًا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب [4] ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أكل تمر خيبر هكذا؟"، قال: لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(1) إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم، 6/ 46.
(2) للمزيد انظر: الحيل الفقهية في المعاملات مفهومها وأحكامها في بعض القضايا المعاصرة، لعيسى الخلوفي، ص 348 - 363. وكذلك: أسباب وآثار دخول الحيل الفقهية على المصرفية الإسلامية، لعيسى الخلوفي، مقال منشور بمجلة الاقتصاد الإسلامي العالمية، العدد 11. وأيضًا: مدى مطابقة المظهر الخارجي للمنتج الإسلامي مع مضمونه الداخلي: التورق المصرفي نموذجا، لحشايشي سلمى، وضامن وهيبة، بحث مقدم إلى المؤتمر الدولي حول منتجات وتطبيقات الابتكار والهندسة المالية، بين الصناعة المالية التقليدية والصناعة المالية الإسلامية.
(3) جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، 1/ 784.
(4) نوع من التمر من أعلاه، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، للنووي، 11/ 21.