الصفحة 13 من 36

يلزم خلو الوقائع عن الأحكام" [1] ؛ لأن النصوص محصورةٌ والوقائع والمستجدات غير متناهية [2] ، قال الزركشي:"النصوص محصورةٌ، والأحكام الثابتة بها محدودةٌ، ومعاني النصوص لا تتناول أحكام الوقائع المستجدة؛ لأنها محصورةٌ متناهيةٌ، والوقائع المستجدة غير متناهيةٍ، والقياس لا يصح إلا بوجود أصلٍ يقاس عليه، ولم يوجد هذا في الوقائع المستجدة فيلزم من عدم اعتبار المصالح المرسلة حجة خلو كثير من الوقائع عن الأحكام، وهذا باطلٌ" [3] ."

فمرجعية الاقتصاد الإسلامي هي نصوص الوحيين، فهي مَفْزع الفقيه، والمراقب الشرعي، والمحاسب، والمصرفي، وكل من له علاقةٌ بالمجال المالي، كلٌّ حسب تخصصه؛ إذ إن هؤلاء كلهم ومن على شاكلتهم غير مستغنين عنها؛ لكن بدرجاتٍ متفاوتةٍ، فحاجة المحاسب مثلًا لا تكاد تبلغ معشار حاجة فقيه ومفتي المعاملات المالية.

فالنصوص الشرعية هي أدوات الاستنباطات الفقهية، ومكان المخارج الشرعية للمعاملات المالية، ومنطلق الصيغ والمنتجات التمويلية؛ يفتش فيها الفقيه والمفتي عن الأدلة وآلات الاستنباط، ويتفقد فيها المهندس المالي المنتجات والصيغ المالية، ويستثمرها المراقب أو المدقق الشرعي في وضع المعايير، أو تتبع العمليات المصرفية.

إن المخارج الشرعية هي حلولٌ إبداعيةٌ ابتكارية ضروريةٌ في المعاملات الاقتصادية لمواءمة الظروف المعيشة، وتخريجها على الظروف التي نزلت فيها النصوص الشرعية؛ لأن النصوص الشرعية ليست قاصرةً على العهد النبوي، وإنما هي حلولٌ وأصولٌ إلى يوم القيامة، وتحضرني هنا القاعدة التي تقول:"العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" [4] .

إن العلماء هم الذين يكيفون النازلة الفقهية، ويبحثون عن البديل الشرعي لدرء التعامل المحرم، فإذا وجد المفتي مخرجًا شرعيًا، فإما أن يعمل به المستفتي وإما أن يرده بدعوى التحايل أو سد الذريعة، وفي هذه الحال، فهو مخيرٌ بين أن ينتقل إلى المعاملة المحرمة الصرفة وبين أن يتوقف ويصيبه حرجٌ ومشقةٌ، وكلا الحلين ظاهر البطلان، لأن إيجاد المخرج الشرعي المُخلِّص من الإثم في المعاملات المالية ضرورةٌ واقعيةٌ، ومن ذلك المعاملات الاقتصادية التي أصبحت من حاجات المجتمع اليوم، والتي تنادي بالمخارج الشرعية باستمرارٍ

(1) التقرير والتحبير علي تحرير الكمال بن الهمام، لابن أمير حاج، 3/ 241. وأيضًا: تيسير التحرير، لأمير بادشاه، 4/ 105.

(2) شرح مختصر التحرير للفتوحي، لأحمد الحازمي، الدرس 69.

(3) تشنيف المسامع بجمع الجوامع، لمحمد بن عبد الله الزركشي، 3/ 43.

(4) قال عبد الله الجديع:"العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لكن مراعاة السبب أصلٌ لفهم مراد الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، خصوصًا عند اشتباه المعنى، والعموم باقٍ في مثل صورة السبب". تحرير علوم الحديث، لعبد الله الجديع 2/ 706.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت