فهرس الكتاب
والسآمة، وسيؤدي ذلك إلى الانسحاب، ونتلمس هذا الجانب الترفيهي في النصوص الشرعية وفي السيرة النبوية فعَنْ شَقِيقٍ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ:"كَانَ عَبْدُ اللهِ يُذَكِّرُنَا كُلَّ يَوْمِ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّا نُحِبُّ حَدِيثَكَ وَنَشْتَهِيهِ، وَلَوَدِدْنَا أَنَّكَ حَدَّثْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ، فَقَالَ: مَا يَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ إِلَّا كَرَاهِيَةُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الْأَيَّامِ، كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا" [1] .
فنجد أن كتاب الله وسنة نبيه يدعوان إلى ضرورة الراحة وإعطاء النفس حقها في المجهودات والمعاملات، قال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) } [2] ، وعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِدَ، وَحَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ سَارِيَتَيْنِ، فَقَالَ:"مَا هَذَا؟"قَالُوا: لِزَيْنَبَ تُصَلِّي، فَإِذَا كَسِلَتْ، أَوْ فَتَرَتْ أَمْسَكَتْ بِهِ، فَقَالَ:"حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا كَسِلَ، أَوْ فَتَرَ قَعَد". وَفِي حَدِيثِ زُهَيْرٍ: فَلْيَقْعُدْ [3] . ركز النبي صلى الله عليه وسلم على أن يكون العمل مما تألفه النفس، وتطمئن إليه، وتكون قد أتت عليه على حين راحة وطمأنينة دون كلل أو إتعاب، فالشرائع والعبادات ما أُنزلت ولا شرعت وفرضت لأجل أن يُشق بها على الناس، بل إنها مصدر الراحة والطمأنينة، ومصدر استمرار للإنسان على هذا العمل؛ لأن النفس بطبيعتها إنما تُقبل على الشيء الذي تحبه وتألفه، والشريعة تلاحظ الطبيعة الإنسانية التي فيها نوع من الملل، وتحمل الإنسان على ما يتفق مع جبلَّته [4] .
وقد حاربت النصوص الشرعية الرهبانية وإرهاق النفس والإفراط عليها، والغاية من ذلك هو ألا تتعب النفوس فيؤدي بها ذلك إلى الانتكاس والانقطاع،
(1) أخرجه البخاري في صحيحه،1/ 25. وأخرجه مسلم في صحيحه، 4/ 2173. واللفظ لمسلم.
(2) سورة القصص، الآية:77.
(3) أخرجه مسلم في صحيحه، 1/ 541.
(4) شرح حديث أحب الأعمال أدومها وإن قل، لخالد الشايع، خطبة منشورة بموقع الالوكة، بتاريخ 19/ 10/2017 ميلادي - 28/ 1/1439 هجري، https://www.alukah.net/sharia/0/121763/