وكان صلى الله عليه وسلم يعلم الناس الاقتصاد في العبادة قولًا وفعلًا،"فلما كان قبل وفاته بعام وثقل عن القيام صلى قاعدًا رفقًا به، واستدامة لصلاته وتوفير قوته، لما يلزم من أمور المسلمين" [1] ، ولهذا قَالَ لعَبْد اللَّهِ بْن عَمْرِو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:"يَا عَبْدَ اللَّهِ، لاَ تَكُنْ مِثْلَ فُلاَنٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ" [2] . وعن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ"قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ، يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ:"إِنَّكُمْ لَسْتُمْ فِي ذَلِكَ مِثْلِي، إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي، فَاكْلَفُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ" [3] ، فأمر بالاقتصاد في قيام الليل ونهى عن الوصال، سدًا لذريعة الإفراط في التعب المؤدي إلى الترك وعدم المداومة.
وخلاصة القول إن العمل القليل الدائم، أحب إلى الله سبحانه من العمل الكثير المنقطع؛ لأن المطلوب هو الثبات على الخير ولزومه، مما يستدعي ضرورة احترام القدرة والطاقة، وسبيل ذلك هو الاقتصاد والتسديد والمقاربة.
زرع الله جل وعلا في الإنسان والحيوان خاصية التعلم والتربية، بحيث يتعلم منذ الولادة أمورًا على سبيل الفطرة أو الاكتساب، ويظهر هذا عند بعض الحيوانات التي تربي أولادها على الصيد، وأخرى على الطيران وهكذا؛ كل ذلك لأجل استخدام تلك المهارات نظرًا للحاجة إليها طوال الحياة، فالغاية من هذا التعلم هو استدامة تلك المعارف.
(1) المنتقى شرح الموطإ، للباجي، 1/ 243. فعن عائشة زوج النبيَّ- صلى الله عليه وسلم:أنَّ النبيَّ- صلى الله عليه وسلم -كان يصلي جالسًا، فيقرأ وهو جالِسٌ، فإذا بقي من قراءتِه قَدرُ ما يكون ثلاثين أو أربعين آيةَ قام فقرأها وهو قائمٌ، ثم ركع، ثم سجد، ثم يفعلُ في الركعة الثانية مِثلَ ذلك. أخرجه البخاري في صحيحه، 2/ 48. وأخرجه مسلم في صحيحه، 1/ 505. واللفظ لمسلم. موطأ الإمام مالك، 2/ 190. وقد عزوت إلى الموطأ بناء على أن المقطع المنقول شرح له.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه،2/ 54. وأخرجه مسلم في صحيحه،2/ 814.
(3) أخرجه مسلم في صحيحه،2/ 774.