ولما كرم الله تعالى الإنسان بالعقل، وكلفه بالوحي؛ جعلهما أساس التربية والتعليم بجلاء، هذا الهدف الذي يعمل عليه الناس فرادى وجماعات، شخصيًا ورسميًا، إذ إن الدول تهتم بالتربية والتعليم، وكذلك الأسر والأشخاص، حتى صار تقدم الدول يقاس بنسبة نجاح التربية والتعليم، ولا شك أن تحقيق هذا الهدف لا يُكتفى فيه بمدة محصورة، إنما المقصود هو استدامته واستمراريته؛ ولذلك فإن المنظرين يبحثون سبل الاستمرار على المكتسبات التعليمية وأساليب التثبيت والتكوين المستمر.
فالإنسان يخوض مضمار التربية والتعليم من المهد إلى اللحد، معلمًا أو متعلمًا، مربيًا أو متربيًا؛ وليس بالضرورة أن يرتبط التعليم بالمدرسة أو بالكلية، بل إن مجال ذلك واسع، فالإنسان يتقلب في مراحل حياته في رحاب التربية والتعليم بين المدرسة والكلية، وبين العمل والمجتمع، فهو في تعلم دائم وفي تربية مستمرة؛ لبلوغ الأهداف المسطرة، إنْ مرحليًا أو على المدى البعيد؛ فحتى المرحلة التعليمية التي ينتهي منها الإنسان، هي في الواقع مستمرة؛ لأنها تخدم مراحل لاحقة، فهي سلسلة متشابكة يشد بعضها بعضا، وسُلَّم تتضافر أدراجه لبلوغ المرام.
ونظرا للحاجة الماسة للتربية والتعليم، فإن استدمة المكتسبات المحصل عليها، من الأهمية بمكان؛ فما فائدة أن يتعلم الإنسان شيئًا أو يتربى على خلق، ثم لا يستمر عليه؟ فالمعلومات المتلاشية التي يتلقاها الإنسان لفترة معينة ثم يرمي بها، ليست موضوعنا؛ إنما المقصود هو تلك المكاسب التي تعيش مع الإنسان، أو يستديمها لمرحلة معينة بغية استثمارها في مرحلة لاحقة؛ ومنه، يمكن القول إن هناك استدامة كلية واستدامة جزئية:
الاستدامة الكلية: هي التي يستبقيها المتعلم طيلة حياته ويرغب في الحفاظ عليها.
الاستدامة الجزئية: يحتاج المتعلم إلى المعلومة في مرحلة معينة أو فترة محددة، فيعمل على الحفاظ عليها في تلك المرحلة والفترة.