بذلك إلى أنه بعث ميسرًا مسهلًا، فأمر أمته بأن يقتصدوا في الأمور؛ لأن ذلك يقتضي الاستدامة عادة [1] .
وعنها أيضا أنه قَالَ:"مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لاَ يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا"، وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَادَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ" [2] ،"والمراد لا يقطع عليكم ثوابه حتى تقطعوا عملكم، فإذا لزمتم القصد في الأعمال استمرت لكم الإثابة، وإذا أعرضتم بسبب المبالغة المؤدية إلى الملل، قطع عليكم ثوابه؛ فهو إرشاد لهم إلى استدامة الإثابة بالأعمال التي لا تمل، وفيه إرشاد إلى أن الإفراط في العمل يؤول إلى تركه" [3] ."
فعلى العبد أن يعرف إمكاناته وحدود طاقاته، فيُقبِل على الأعمال باقتصاد، ويسدد ويقارب حتى لا يكل ويمل، فيترك العمل، لا سيما إذا ما أشير إليه بالأصابع، فذلك محذور آخر سببه البروز الناتج عن الرياء، وعن الحماسة الزائدة والجهد المفرط، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةً وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ فَارْجُوهُ، وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ فَلاَ تَعُدُّوهُ [4] ، والشرة الحرص على الشيء والنشاط فيه والرغبة، والفترة الوهن والضعف، فالإنسان يشتغل بالأشياء على حرص شديد ومبالغة عظيمة في أول الأمر، ثم إن تلك الشرة يتبعها فترة لأن الذي يبالغ في العمل يفتر ويسكن ولو بعد حين، فلو اقتصد واحترز من الإفراط والتفريط، لداوم؛ فيرجى أن يكون من الفائزين، فإن من سلك الطريق المتوسط يقدر على مداومته، ومن اجتهد وبالغ في العمل ليصير مشهورًا بالزهد والعبادة، ويشار إليه، فليس بشيء؛ لكونه من المرائين، حيث جعل أوقات فترته عبادة، إلا أن يتداركه الله بفضله، وجعله من المخلصين [5] .
(1) فتح الباري، لابن حجر،11/ 300.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه،1/ 17.
(3) التنوير شرح الجامع الصغير، لمحمد الصنعاني، 4/ 465.
(4) سنن الترمذي، 4/ 216. صححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته، 1/ 430.
(5) راجع: التيسير بشرح الجامع الصغير، لعبد الرؤوف المناوي، 1/ 341. تحفة الأحوذي، لمحمد المباركفوري، 7/ 126. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، لعلي القاري، 8/ 3336 - 3337.