الصفحة 14 من 33

الأجر، وربما يجلب الذنب؛ لأن المتشدد لا يأمن من الملل؛ بخلاف المقتصد، فإن ذلك أمكن لاستمراره، وخير العمل ما داوم عليه صاحبه، وفيه إشارة إلى الحث على الرفق في العبادة؛ لأن العابد كالسائر إلى محل إقامته وهو الجنة [1] ، فالتنطع يتسبب في الإجهاد، والاجهاد يؤدي إلى الانقطاع، وقد قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ، قَالَهَا ثَلَاثًا" [2] ، وفي مقابل ذلك أمر بالاقتصاد فقال: السَّمْتُ الحَسَنُ، وَالتُّؤَدَةُ وَالاِقْتِصَادُ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ [3] ، قال عبد الرؤوف المناوي:"فالقليل الدائم أحب إليه من الكثير المنقطع، فأمرهم بالاقتصاد في الطاعة لئلا يطيعوا باعث الشغف، فيحملوا أنفسهم فوق ما يطيقون، فيؤدي لعجزهم عن الطاعة أو قيامهم بها بتكلف" [4] .

وإنكار الغلو، إنكار للإفراط بشدة الإقبال والالتزام، المفضيين إلى الترك، أو الملل أو الخروج عن القصد، بسبب المبالغة في النوافل، أو العمل على جهل وغفلة، ومن جهة أخرى هو إنكار للتفريط والتهاون بشدة التكاسل والتقصير والإعراض والانفلات، ولكن الثاني تستنكره الطباع السليمة عادة، أما الأول فهو الذي يغتر به المغترون، ويلتبس على كثير من الناس، وهو السبب في استدعاء الانقطاع وفوات المداومة [5] .

وعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الجَنَّةَ، وَأَنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ" [6] ، قال ابن حزم إن معنى الأمر بالسداد والمقاربة أنه صلى الله عليه وسلم أشار

(1) انظر: فتح الباري، لابن حجر، 9/ 105 و 11/ 298. إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض، 8/ 354. هذه أخلاقنا حين نكون مؤمنين حقا، محمود الخزندار، ص: 392.

(2) أخرجه مسلم في صحيحه، 4/ 2055.

(3) سنن الترمذي، 3/ 434. صححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته، 1/ 578.

(4) فيض القدير، لعبد الرؤوف المناوي، 2/ 97.

(5) هذه أخلاقنا حين نكون مؤمنين حقا، محمود الخزندار، (ص: 394) .

(6) أخرجه البخاري في صحيحه،8/ 98. وأخرجه مسلم في صحيحه، 4/ 2171.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت