الصفحة 13 من 33

الشاق، فإنه يكون معه التشويش والانقطاع غالبًا [1] ، ومن هذا المنطلق استفادت أمنا عَائِشَةُ راوية الحديث فكانت إِذَا عَمِلَتِ الْعَمَلَ لَزِمَتْهُ [2] ، كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في رواية أخرى أنه كان إذا عَمِلَ عملًا أثبتَهُ [3] .

وقد أفصحت بذلك أمنا عائشة لعَلْقَمَةَ رضي الله عنهما، لما سألها فقَالَ: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، كَيْفَ كَانَ عَمَلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الأَيَّامِ؟ قَالَتْ:"لاَ، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَطِيعُ" [4] ، قال القاضي عياض:"أي دائم غير منقطع، ومنه سمي المطر المتوالي ديمةً، يعنى أن ما عمل من خير لم يكن يقطعه، ويتركه بل يداوِمُ عليه" [5] .

وحتى يكون العمل دائمًا ويبقى ديمة، فلا بد من الاقتصاد فيه؛ لأن الغلو مدعاة إلى انقطاع العمل، فعَنْ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: خَرَجْتُ ذَاتَ يَوْمٍ لِحَاجَةٍ، فَإِذَا أَنَا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيَّ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَانْطَلَقْنَا نَمْشِي جَمِيعًا، فَإِذَا نَحْنُ بَيْنَ أَيْدِينَا بِرَجُلٍ يُصَلِّي يُكْثِرُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَتُرَاهُ يُرَائِي؟"فَقُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَتَرَكَ يَدِي مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يُصَوِّبُهُمَا وَيَرْفَعُهُمَا وَيَقُولُ:"عَلَيْكُمْ هَدْيًا قَاصِدًا، عَلَيْكُمْ هَدْيًا قَاصِدً،. عَلَيْكُمْ هَدْيًا قَاصِدًا؛ فَإِنَّهُ مَنْ يُشَادَّ هَذَا الدِّينَ يَغْلِبْهُ" [6] .

فالغلو والإفراط يؤديان إلى التعب والإعياء أو العجز، والقصد أقربُ إلى الطاقة والاحتمال، وأدعى إلى الدوام على العمل، والاستمرار فيه والثبات عليه؛ لأن النفس البشرية جبلت عليه، فلا بد لها من راحة وانفراج تفاديًا للكلل والملل، ولن يستطيع امرؤ أن يتجاوز طبيعته البشرية إلى الطبيعة الملائكية، فالقصد يمكِّن من الدوام على الطاعة فيكثر الأجر الثواب، وأما الغلو فيؤدي إلى الانقطاع فيفوت

(1) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، للنووي، 6/ 71. المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، أحمد بن عمر القرطبي، 2/ 413.

(2) أخرجه مسلم في صحيحه،1/ 541.

(3) سنن أبي داود، 2/ 519.

(4) أخرجه البخاري في صحيحه، 8/ 98. أخرجه مسلم في صحيحه، 1/ 541.

(5) إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض، 3/ 148.

(6) مسند الإمام أحمد،38/ 61. صححه الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، 4/ 286.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت