فهرس الكتاب
كانت حالة المسلمين في القرن الثاني عشر والذي قبله حالة تدعو إلى الأسى والأسف، لما وصلت إليه من الجهل والبعد عن أساس الإسلام وأصله العميق وهو التوحيد، ولا مانع أن ننقل هنا وصف عالم غربي لهذه الحالة.
يقول المؤرخ (لوثروب ستودارد) في كتابه حاضر العالم الإسلامي:"في القرن الثامن عشر كان العالم الإسلامي قد بلغ من التضعضع أعظم مبلغ، ومن التدني والانحطاط أعمق دَرَكَة، فالدين قد غشيته غاشية سوداء، فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة سجنًا من الخرافات وقشور الصوفية، وكثر عديد الأدعياء والجهلاء .." [1] .
في وسط هذا الجو المكفهر شاء الله أن تنطلق دعوة التوحيد من أرض الجزيرة العربية، كما انطلقت شرارتها الأولى منها، وبلاد نجد أنسب البقاع لظهور الحركة التجديدية حيث بقيت هذه البقعة بعيدة عن سيطرة الدول الكبرى. انطلق صوت الشيخ مناديًا بالعودة إلى نقاء التوحيد.
يقول في رسالته إلى عبد الرحمن بن عبد الله السويدي أحد علماء العراق:"أخبرك أني ولله الحمد متبع ولست بمبتدع، عقيدتي وديني الذي أدين الله به مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة، لكني بينت للناس إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأحياء والأموات من الصالحين وعن إشراكهم فيما يعبد الله به، مما هو من حق الله الذي لا يشركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل .." [2] .
ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن:"ثم إن شيخنا رحمه الله كان يدعو إلى إقامة الفرائض ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأقواله في أصول الدين مما أجمع عليه أهل السنة والجماعة، وأما في الفروع والأحكام فهو حنبلي المذهب" [3] .
إن رسائل الشيخ الكثيرة ومصنفاته تؤكد يقينًا بأنه لا يدعو إلا لعقيدة السلف في جميع أبواب الاعتقاد، وسيرته الشخصية تؤكد على ذلك، وما كتب تلامذته وأنصار دعوته تؤكد ذلك أيضًا، وهو على كل حال ليس معصومًا، وإذا أخطأ في شيء فالعلماء الثقات الأتقياء هم الذين يصححون ويبينون مواطن الخطأ، وهذا عند أهل السنة واضح لا لبس فيه كما قال الإمام مالك (كل يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر) يشير إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم.
ليست بدعًا من الدعوات الإصلاحية:
من سنن الله الكونية أن الدجاجلة والكذابين ينكشف أمرهم بعد مدة قصيرة كصاحب القاديانية أو البهائية .. بينما نرى أن دعوة الشيخ التجديدية - ودعوات التجديد مستمرة في التاريخ الإسلامي - نراها قد ترسخت في نجد ووصلت إلى أماكن أخرى في العالم الإسلامي، وما تزال تقوى وتزداد رسوخًا على مر الأيام، وقد تأثر بدعوة الشيخ بعض العلماء المصلحين من شتى الأقطار مثل الشيخ نذير حسين الدهلوي في الهند والشيخ علي السويدي في العراق. والشيخ محمد بن ناصر الشريف التهامي في اليمن، وكان للدعوة تأثير في غرب أفريقيا والمغرب العربي وقام علماء كبار بعد الشيخ يدعون للرجوع إلى الكتاب والسنة وترك البدع والخرافات، سواء تأثروا بالشيخ أم لم يتأثروا، مثل العالم الكبير الشوكاني في اليمن، والعالم جمال الدين القاسمي في الشام والعالم محمود شكري الآلوسي في العراق، فهل يقال أن هؤلاء وهابيون؟.