يقول رحمه الله مخاطبا أحد مراسليه: (وإن أردت النظر في أعلام الموقعين فعليك بالمناظرة في أثنائه بين مقلد وصاحب حجة، وإن لقي ذهنك أن ابن القيم مبتدع(12) ، وأن الآيات التي استدل بها ليست هذا معناها، فاضرع إلى الله، واسأله أن يهديك لما اختلفوا فيه من الحق، وتجرد ناظرا ومناظرا) (13) .
ويقول في موضع آخر: (وبالجملة فالذي أنكره الاعتقاد في غير الله مما لا يجوز لغيره، فإن كنت قلته من عندي فارم به، أو من كتاب لقيته ليس عليه عمل فارم به كذلك، أو نقلته عن أهل مذهبي فارم به، وإن كنت قلته عن أمر الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم، وعما أجمع عليه العلماء في كل مذهب فلا ينبغي لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرض عنه لأجل أهل زمانه أو أهل بلده) (14) .
ويقول أيضا: (إني أذكر لمن خالفني أن الواجب على الناس اتباع ما وصى به النبي صلى الله عليه وسلم أمته، وأقول لهم: الكتب عندكم، انظروا فيها، ولا تأخذ من كلامي شيئا، لكن إذا عرفتم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي في كتبكم فاتبعوه، ولو خالفه أكثر الناس) (15) .
ويقول: (وإن صعب عليك مخالفة الكبر، أو لم يقبل ذهنك هذا الكلام فأحضر بقلبك إن كتاب الله أحسن الكتب، وأعظمها بيانا وشفاء لداء الجهل، وأعظمها فرقا بين الحق والباطل، والله سبحانه قد عرف تفرق عباده واختلافهم قبل أن يخلقهم، وقد ذكر في كتابه {وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة} وأحضر قلبك هذه الأصول وما يشابهها في ذهنك، واعرضها على قلبك فإنه إن شاء الله يؤمن بها على سبيل الإجمال) (16) .
أرأيت إلى هذا التجرد التام في تبليغ ما هو حق، وكمال النصح والإشفاق على المدعوين، وانظر إلى إهماله ذاته من أجل دين الله ونصرته، إضافة إلى سبره لأحوال النفوس وإدراك حقائقها وصفاتها.
4 -يلاحظ من خلال رسائله الشخصية أن الشيخ مهتم بما قد يراه نافعا ومجديا لمصلحة الدعوة: فمن ذلك إثارة النخوة في نفس المخاطب.
فهو يحاول إقناع مخاطبه بقوله: (إن لك عقلا، وان لك عرضا تشح به، وإن الظن فيك إن بان لك الحق أنك ما تبيعه بالزهايد) (17) .
ويستثير همم أهل شقراء ضد خصوم الدعوة بقوله: (والله العظيم إن النساء في بيوتهن يأنفن لكم، فضلا عن صماصيم بني زيد) (18) .
5 -تميز الشيخ بقوة حجته: وعلى حسب حال المخاطب، كما يظهر فقه الشيخ لأساليب المناظرة والإقناع للخصم.
فمن ذلك قوله رحمه الله: (أنا أخاصم الحنفي بكلام المتأخرين من الحنفية، والمالكي والشافعي والحنبلي كلا أخاصمهم بكتب المتأخرين من علماء مذهب الذين يعتمد عليهم) (19) .
وكم وقع ويقع في هذا الوقت من صد عن دين الله وافتتان عن معرفته والتزام الصراط المستقيم، وذلك بسبب ضعف حجة أهل الحق، وهزالهم العلمي.