قد تكون حجة إخواننا أن هؤلاء الذين يعلمون ويعظون ليسوا في المستوى المطلوب, وليسوا أهلا للتعليم والتدريس.
نقول لهم احذروا من هذا الكبر ومن هذا اللمز, فهم على الأقل اجتهدوا ونقلوا ما عندهم من علم, فالأولى والأحرى أن نشكرهم ونشجعهم.
وكما قيل: لَا يَنَالُ الْعِلْمَ مُسْتَحْي وَلَا مُتَكَبِّرٌ.
وهذا الكلام طبعا على سبيل التنزل وإلا فيوجد إخوة أفاضل طلبة علم مجتهدين, يستطيع المرء أن ينتفع بعلومهم.
كما أننا نذكرهم ونقول لهم: إن العلماء والشيوخ قد أتتكم من مشارق الأرض ومغاربها ولم نر منكم إلا العزوف والتولي, فلم تجلسوا لا في مجالس الصغار ولا حتى في مجالس الكبار.
فمن تنتظرون حتى يعلمكم أمر دينكم وأحكام شريعتكم؟
وتجد آخرين يتعللون بكبر السن ويقولون {أن العلم لا بد أن ينال في الصغر} ,ولما تسأل أحدهم عن عمره تجده لم يتجاوز الثلاثين والأربعين بعد, فسبحان الله, أين همة السلف الذين نزعم اتباعهم واقتفاء آثارهم.
فهذا أبو طلحة حينما كبر وأصبح شيخا لما قرأ قوله تعالى {انفروا خفافا وثقالا} :فَقَالَ: أَرَى رَبَّنَا يَسْتَنْفِرُنَا شُيُوخًا وشَبَابًا جَهِّزُونِي يَا بَنِيَّ. فَقَالَ بَنُوهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، قَدْ غَزَوْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى مَاتَ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى مَاتَ، وَمَعَ عُمَرَ حَتَّى مَاتَ، فَنَحْنُ نَغْزُو عَنْكَ. فَأَبَى، فَرَكِبَ الْبَحْرَ فَمَاتَ، فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ جَزِيرَةً يَدْفِنُوهُ فِيهَا إِلَّا بَعْدَ تِسْعَةِ أَيَّامٍ، فَلَمْ يَتَغَيَّرْ، فَدَفَنُوهُ بِهَا. هـ
وهذا الإمام النحوي ابن هشام الأنصاري لما تحول إلى المذهب الحنبلي, حفظ مختصر الخرقي وكان ذلك قبل وفاته بخمس سنين.
وكثير من الأئمة الفحول الأعلام قد طلبوا العلم في سن كبيرة ولم يمنعهم ذلك من الوصول إلى درجة العلماء, ومن هؤلاء صالح بن كيسان والإمام القفال الشاشي وسلطان العلماء العز بن عبد السلام ... وغير هؤلاء. فكبر السن ليس حاجزا عن العمل والسعي والإجتهاد فاحذر يا أخي من تلبيس إبليس.
-ظاهرة لا بد من استئصالها:
ثم مشكلة أخرى ومعضلة كبرى وقع فيها كثير من شباب الصحوة: وهي عدم السمع والطاعة للعلماء, فلا هم يتعلمون ولا هم يستمعون ويرجعون إلى أهل العلم, بل كل واحد منهم يفتي ويحلل ويحرم ويكفر ويفسق ويبدع برأيه وبهواه, ويقضي في الدماء